التشكيك في كورونا .. لا داعي لخوض التجربة

|
قد لا يمر يوم تقريبا دون أن أسمع فيه أو أقرأ عن التشكيك في وجود مرض كورونا، ومع اندلاع الفوضى في أمريكا، أصبح هذا السؤال الأكثر إلحاحا فأين مظاهر الخوف من انتشار المرض، وأين حرص الناس على التباعد الاجتماعي؟ والبعض يضع هذه الظاهرة الأمريكية مثالا حيا على عدم حقيقة وجود المرض. لكن ما الحقيقة فعلا؟ هذا المقال يحاول أن يجيب عن هذه الأسئلة بمنطق علمي بحت، واختصاره أنك لست بحاجة إلى أن تكتشف حقيقة المرض بنفسك ويكفيك أن تجد مصدرا موثوقا عنه لأن تحققك التجريبي الحسي لن يكشف لك الحقيقة إلا إذا – وإذا فقط - أصبت بالمرض فعلا، ولات حين مناص.
ما العلم؟ سؤال عظيم جدا، مرت به البشرية في قرون طوال للوصول إلى إجابة شافية. العلم هو إدراك العقل حقيقة وجود الأشياء من حولنا. كيف نعرف أن شيئا ما موجود فعلا. لقد وهبنا الله عقلا جبارا لكن مع ذلك يمكن خداعه بسهولة ولحمايته من هذا الخداع أعطاه الله مفاتيح القدرة على التفكير السوي من خلال تحليله لمعطيات الحواس الخمس جميعا. ومن خلال هذا التفاعل بين العقل والحواس يمكننا أن نقيم التجربة الخاصة بكل منا عند سؤال النفس هل مرض كورونا موجود في الحقيقة أم هو وهم؟ لقد كان أهم الأدلة على وجود المرض ما شاهدناه في اللحظات الأولى لانتشار الفيروس في الصين من صور وفيديوهات جعلتنا نعيش رعبا حقيقيا، صور لأشخاص يتساقطون وهم وقوف، وأشخاص يرتجفون حتى الموت، وجثث في كل مكان، وظلت الصين في البدايات تنفي وجود ما يقلق، لكن هذه الصور التي رأيناها بأبصارنا جعلتنا نقول بوجود المرض، ثم عادت السلطات في الصين إلى الاعتراف به، وبدأ الانتشار السريع له خارج الصين، ورأينا كيف تغلق الدول حدودها وتوقف طيرانها وتغلق الاقتصاد بصورة لم تشهدها حواسنا ولا خبراتنا من قبل، وكان هذا تحديا هائلا للعقل الإنساني، ومع سرعة استجابة الحكومات ظهرت ادعاءات بأن كل هذا غير حقيقي، وأن هناك مؤامرة خلف الموضوع، وقد أكد هذا التصور ذلك الخداع البصري الذي وقعنا فيه في بدايات الأزمة في الصين، فجميع الصور التي شاهدناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تم التلاعب بها، فلا مرضى يترجفون حتى الموت في الشوارع، ولا موتى يتم رميهم من الشاحنات، وبالطبع فإن الأثر النفسي لهذا التلاعب ينتقل معنا كلما تطورت الأزمة وشاهدنا ما لم ندركه بحواسنا من قبل، ما يفقدنا الثقة بكل ما يردنا من المعلومات حتى لو كانت هذه صحيحة في حينها، وهذا يؤثر في قراراتنا من خلال عبثها بالعقل الباطن، ويجعل البعض يتجاهل الاحترازات والتوصيات الطبية، ويقرر خوض التجربة بنفسه.
يتعرض الإنسان للتزييف في الحقائق، عندما يجد مصدرين للمعرفة، لكنهما متناقضان تماما، ولا يمكن الفصل بينهما لا بالتجربة الحسية المباشرة، كالنظريات العلمية لا يمكن لنا أن نعرف أيهما صحيح ما لم نقم بالتجربة، لكن ليست كل تجربة سهلة، بل هناك من التجارب ما يكلف الحياة ذاتها، قد نمضي قدما في التجربة ليس لنكتشف أي النظريتين حق، بل لنكشف حجم الخسارة وأن تجربتنا لم تضف شيئا إلى معرفتنا، التجربة مقبولة علما وعملا إذا – وإذا فقط - كانت تقود إلى ابتكار حقيقي يدفع المعرفة الإنسانية إلى الأمام هنا فقط تستحق التجربة كل مخاطرها. والآن تتعرض البشرية لمثل هذا التحدي في فهم معنى التجربة ودورها في العلم، فهناك تنظير واسع النطاق بشأن حقيقة وجود كورونا، ومصادر زائفة للأخبار وأيضا هناك مصادر صادقة وموثوقة. المصدر الموثوق يؤكد لنا خطورة المرض وخطورة التجمعات وأهمية التباعد، وضرورة حماية الصحة العامة والاقتصاد، والنظرية هنا تقول إن احتمال الإصابة يرتفع كلما زاد تعرض الإنسان للتجمعات وتقارب جسديا مع غيره، وهناك مصادر لا تحصى تقدم الشك فقط دون أدلة منطقية أو مصادر موثوقة معتبرة محكمة، هذه المصادر المشبوهة تزين لنا فكرة خوض التجربة لنكتشف حقيقة كورونا، فهل إثبات وجود كورونا من خلال التجربة الذاتية يستحق منا المخاطر التي نواجهها؟
الحكومة السعودية حفظها الله قدمت كل غال ونفيس لشعبها ولجميع من يعيش على أرضها حتى ذلك الذي يقيم بطريقة غير نظامية، وقد فعلت كل ذلك وتحملت الميزانية أكثر من ٥٠ مليارا لتعزيز الصحة من أجل حماية الناس وذويهم من الموت القابع في الشارع وبين الزحام، ووزارة الصحة تقدم الدراسات الموثوقة والمحكمة من جانبها، وتؤكد لك خطورة المرض، وهناك في وسائل التواصل الاجتماعي يقبع الشك الزائف والادعاءات الباطلة دون دليل، فهل من العقل والحكمة والعلم أن نتخلى عن مصدرنا الموثوق ونذهب خلف الشك والوهم ونلقي بكل التعليمات الصحية جانبا لنخوض تجربة الموت والألم؟ المرض حقيقة لا شك فيها، فلا داعي أبدا لخوض التجربة وتلقي بنفسك في خضم التجمعات الناقلة للمرض حتما.
إنشرها