الجامعات والتحول الرقمي والعولمة وأثر الوباء

|
أعلنت جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، إحدى أهم جامعات العالم، أن جميع المحاضرات فيها ستتم عبر الإنترنت، وذلك حتى صيف العام المقبل 2021. ولا شك أن وباء كورونا كان الدافع الرئيس وراء ذلك. ولعلنا نطرح، في هذا المجال أمرين آخرين مرتبطين بهذا الدافع. أول هذين الأمرين أن العالم بكل علمه المتراكم والمتجدد، لا يزال حائرا في مواجهة الوباء، حيث لا أحد يعرف أو يتوقع له نهاية لذا كان لا بد من اللجوء إلى الحل الرقمي. وثاني هذين الأمرين، أن التحول الرقمي الذي دفع إليه الوباء حتى الآن، وكان موجودا جزئيا قبل الوباء كان مرضيا وواعدا، خصوصا في ظل تطور التقنية الرقمية وتزايد ما تقدمه من إمكانات.
لم يكن وباء كورونا السبب الأساس المحرك لتنفيذ المحاضرات الجامعية عبر الإنترنت، فقد بدأ هذا التنفيذ قبل ذلك بغرض توفير التعليم الجامعي عددا كبيرا من الناس الذين فاتتهم فرص الالتحاق بالجامعات في الوقت المناسب، دون أن يفقدوا الرغبة في الاستمرار في التحصيل الدراسي والتأهيل. كما لم يكن هذا الوباء سببا في التفكير في الحد من تكاليف التعليم العالي وتعزيز كفاءته وانتشاره عبر التحول الرقمي واستخدام الإنترنت، فضلا أيضا عن السعي إلى تفعيل عولمة التعليم العالي من خلال ذلك، فقد كانت هذه الأمور قيد المناقشة في كثير من المؤتمرات والندوات الدولية.
ولعل بين أبرز تلك المؤتمرات، المؤتمر الذي عقد حول هذا الموضوع في مدينة دالاس Dallas في ولاية تكساس Texas الأمريكية، في نيسان (أبريل) عام 2014. وقد شهد المؤتمر حضور شخصيات مؤثرة من كثير من دول العالم وكان في توجهه داعيا إلى الحد من تكاليف التعليم العالي، وتفعيل عولمة هذا التعليم عبر التحول الرقمي.
ومن أبرز الندوات، في هذا المجال أيضا تلك التي عقدت في جامعة كالفورنيا California في بيركلي Berkeley، في تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته. وقد تحدث في هذه الندوة إريك جريمسون Eric Grimson، المدير السابق لمعهد ماساشوستس التقني MIT، الجامعة التقنية الأكثر شهرة في العالم، حيث تطرق إلى التعليم الجامعي عبر الإنترنت. وتضمنت محاضرته أمرين مهمين. الأمر الأول أنهم طرحوا في المعهد فكرة خفض مدة وجود الطالب في مباني المعهد من أربعة أعوام إلى ثلاثة فقط، وذلك عبر تمكينه من قضاء عام كامل من الدراسة خارج الجامعة، يتلقى فيها المحاضرات عبر الإنترنت. أما الأمر الآخر فهو إشارته إلى تمكين الطالب من إجراء كثير من التجارب في معامل الجامعة، والتدريب عليها عن بعد. وبالطبع هناك وسائل تقنية متجددة في هذا المجال، مثل التحكم بالأجهزة عن بعد عبر إنترنت الأشياء IOT، ومثل استخدام معطيات العالم الافتراضي Virtual Reality.
هناك بالطبع أمثلة كثيرة أخرى حول ما كان يحدث بشأن التحول الرقمي للتعليم العالي، وتوفيره عبر الإنترنت والسعي إلى عولمته. لكن خيار هذا الأمر كان مفتوحا للجميع بين من يتطلع إلى تفعيل الإقدام على هذا التحول من جهة، ومن يتحفظ على ذلك ويرى الإحجام عنه من جهة. وهنا برز دور وباء كورونا، ليقف في صف ليس فقط الإقدام على التحول الرقمي، بل في صف ضرورة، وربما حتمية هذا الإقدام. وعلى ذلك فإن أثر كورونا في تفعيل التحول الرقمي كان قسريا لا خيار فيه، ولا شك أن ما فعلته جامعة كامبريدج جاء في هذا الإطار، وربما نرى جامعات أخرة كثيرة تسلك السلوك ذاته.
لا شك أن تنفيذ الجامعات نشاطاتها أو كثيرا من هذه النشاطات عبر الإنترنت يسهم بل يفعل التوجه نحو عولمة التعليم الجامعي. وقد عبر الراحل كليتون كريستينين Clayton Christensen الأستاذ السابق في جامعة هارفارد HU، وأحد متحدثي مؤتمر تكساس سابق الذكر عن عولمة هذا التعليم الناتجة عن تحوله الرقمي، بقوله إن التعليم العالي حول العالم سيصبح من نوع هارفارد في الداخل Harvard Inside. ولعل المقصود هنا هو أنه نظرا للتنافس في طرح التعليم الجامعي عبر الإنترنت، فإن الفوز سيكون لهارفارد التي تحوز المركز الأول في تصنيف الجامعات في معظم أنظمة التصنيف، حيث ستنتشر برامجها ومحاضراتها عبر الإنترنت في مختلف أنحاء العالم.
قد يكون صعبا أن يعود التعليم الجامعي بعد وباء كورونا كما كان قبلها، لأن مسيرة تحوله الرقمي كليا أو جزئيا بدأت بقوة تحت تأثير كورونا ولن تتوقف خصوصا مع تجدد الإمكانات التقنية الداعمة لهذا التعليم. ومن الصعب في الوقت ذاته أن نشهد عولمة سريعة لهذا التعليم، حتى مع تبني التحول الرقمي. الأمر يحتاج إلى استيعاب المتغيرات والتفكير في معطياتها ومتطلباتها وكذلك الحكمة في اختيار التوجهات ورسم الخطط. ولعل فسحة قضاء الوقت في المنازل تعطي لجميع الخبراء والمهتمين فرصة للتفكير والتأمل في مستقبل التعليم الجامعي في بيئة التحول الرقمي التي دفعها الوباء إلى التسارع على مستوى العالم بأسره. فلا شك أن التعليم العالي ضرورة لخدمة المجتمع والارتقاء بحياة الإنسان وضرورة للتعامل مع قضايا الحياة وضرورة لمواكبة مسيرة العالم المعرفية، أي إنه اختصارا ضرورة للمستقبل.
لا شك أن التغيرات التي يشهدها العالم في مجال التعليم الجامعي تتمتع بالأهمية والإثارة، ولا بد للتعامل معها من التخطيط للمستقبل. نريد تخطيطا يحدد أهدافا استراتيجية بعيدة المدى، ومسيرة ذات مراحل للتنفيذ التدريجي، ومشاريع لكل مرحلة تتوافر لها إمكانات التنفيذ، مع عزيمة للمضي قدما في العمل على تحقيقه. في هذا الإطار يجب تحديد المتطلبات وتقييم المعطيات، والاهتمام في ذلك بالعوامل الأساسية التي تتضمن: الإنسان، والمؤسسات، والتقنية، وبيئة العمل. ولا بد في هذا المجال أيضا من التركيز على المعايير مثل مدى فعالية الأداء في تحقيق المتطلبات ومستوى الكفاءة في ذلك. ضمن مثل هذا الإطار يمكن التعريف بقضايا التعليم العالي المطروحة والسعي إلى إيجاد الحلول المناسبة لها على أفضل وجه ممكن.
إنشرها