التعافي البطيء والتدريجي

|

سيقود الفتح التدريجي للاقتصادات العالمية إلى إعادة حلقة إنتاج السلع والخدمات مع مرور الوقت، لكن هذا لن يكون كافيا لعودة الأنشطة الاقتصادية إلى مستوياتها السابقة، حيث سيعاني الطلب على معظم الخدمات تراجعات قوية يصعب التنبؤ بمقدارها. وتلعب العوامل النفسية دورا كبيرا في النشاط الاقتصادي، حيث ستحد من عودة الناس إلى أنماط الحياة السابقة بمجرد رفع قيود الحجر الصحي، ولهذا لن ترجع مستويات استهلاك معظم الخدمات إلى سابق عهدها قبل توافر علاج أو تطعيم آمن للمرض. وتعد خدمات السياحة والسفر والتجمعات الرياضية والمطاعم والترفيه من أبرز الخدمات التي ستعاني.
رفعت الجائحة من حالة عدم اليقين سواء حول تأثيراتها الصحية أو الاقتصادية أو حتى الاجتماعية والدولية. وتفوق حالة عدم اليقين كثيرا ما حدث بعد الأزمة المالية العالمية، بل إنها تقارب مستويات عدم اليقين في الكساد العظيم. وولد ازدياد حالة عدم اليقين مجالا كبيرا للتكهنات حول الأوضاع التي ستخرج بها البشرية بعد الجائحة. ومن المؤكد حاليا أن العالم سيخرج بعد الجائحة باقتصاد أصغر حجما، وبحرية حركة وبتفاعل اجتماعي واقتصادي وتعليمي أقل. وتحدث الأوبئة أضرارا إجمالية على اقتصادات الدول، لكنها تحدث أضرارا حادة في بعض القطاعات والكيانات الاقتصادية، كما تسيء بدرجة أقوى إلى الأوضاع المعيشية لشرائح معينة من الأفراد والأسر. وتحملت الأعمال الصغيرة والأسر محدودة الدخل أعباء مالية وديونا إضافية بسبب الإغلاق الاقتصادي، كما سيواجه بعض أنواع العمالة أو منخفضة المهارة عراقيل متزايدة في الحصول على وظائف أخرى أو في تحسين مهاراتها.
ويحاول عديد من الباحثين التعرف على الأوضاع الاقتصادية بعد تلاشي مخاطر وباء كورونا. ونظرا إلى عدم وجود بيانات اقتصادية وصحية موثقة للأوبئة القديمة، يصعب وضع تصورات للأوضاع الاقتصادية بعد الوباء. وتعد جائحة الإنفلونزا الإسبانية التي حدثت قبل مائة عام تقريبا أقرب مثال لجائحة وباء كورونا المستجد من حيث التأثير والاتساع. حتى في هذه الجائحة - التي حدثت في وقت قريب نسبيا - لا تتوافر بيانات مرضية يمكن الاعتماد عليها إلا لدول محدودة كالسويد. وتم اختيار السويد من أحد الباحثين للتعرف على آثار الجائحة السابقة، لأنها من أفضل الدول في بياناتها الاقتصادية والصحية، كما أنها لم تشارك في الحرب العالمية الأولى، وأسقط الوباء فيها خسائر بشرية مماثلة للعالم الغربي.
تشير البيانات السويدية إلى إحداث وباء الإنفلونزا الإسبانية خسارة اقتصادية لفترة طويلة دامت نحو عقد من الزمن. فقد تراجعت في السويد عوائد رؤوس الأموال - كالفائدة وأرباح الأسهم والإيجارات - بنسبة 5 في المائة لنحو عقد كامل، وهذه الخسائر هي خسائر دائمة لا يمكن استرجاعها. إضافة إلى ذلك ارتفعت معاناة الفقراء بسبب الجائحة، خصوصا الأكثر حاجة منهم، حيث ارتفع عدد ساكني بيوت الفقراء الحكومية بنسبة 11 في المائة لمدة عقد كامل. أما الأجور فقد تراجعت أثناء الجائحة لكنها عادت إلى مستوياتها السابقة بعد انتهاء الجائحة، ما يعد من الأمور المطمئنة.
ويقدر بعض الدراسات خسائر الناتج المحلي للدول الغربية بعد وباء الإنفلونزا الإسبانية بنحو 6 في المائة وهو مقارب لتقديرات صندوق النقد الدولي لخسائر الاقتصادات الغربية من جائحة كورونا المستجد. وعموما لا يتوقع معظم المحللين عودة الاقتصاد العالمي إلى التعافي الكامل إلا بعد فترة من الزمن لا تقل عن عامين. ويشير أحدث توقعات نخبة مختصين في الجامعات الأمريكية، إلى تراجع الاقتصاد الأمريكي بنحو 11 في المائة في الربع الرابع 2020 مقارنة بالربع نفسه من 2019، وهذا أقوى تراجع منذ الحرب العالمية الثانية.
كان تأثير موجات انتشار الإنفلونزا الإسبانية الثانية والثالثة أقوى من الموجة الأولى قبل قرن من الزمن بسبب عدم تطوير علاج أو تطعيم للمرض. وبلغت الخسائر البشرية أشدها في الموجة الثانية بسبب تخفيف قيود إجراءات السلامة كالتباعد الاجتماعي. ولهذا هناك تخوف لدى كثير من المحللين من حدوث نكسة في الخريف المقبل بسبب تزايد الاكتظاظ السكاني وارتفاع أهمية خدمات التجمع، ما يهدد بتعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية العالمية. ويبدي معظم دول العالم استعدادا للعودة إلى فرض قيود صحية في حال عودة انتشار الوباء. من جهة أخرى، فإن تقنيات الرصد والمتابعة وكذلك الرعاية الصحية قد تطورت عنها قبل مائة عام، لكن الضغط عليها مرة أخرى قد يهدد بانهيارها في كثير من الدول.
حدثت تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي خلال المائة عام الأخيرة، حيث ارتفعت بشكل كبير مساهمة الخدمات في الناتج المحلي وتشغيل اليد العاملة. وعانى معظم الخدمات تراجعات حادة وخسائر فادحة بسبب الجائحة الحالية، ما يعني معدلات بطالة أعلى مما حدث في الوباء السابق. وستواجه قطاعات الخدمات أيضا تغيرات هيكلية قد تخفض مساهمتها في الأنشطة الاقتصادية لفترة من الزمن، ما سيرفع معدلات البطالة لعدة أعوام مقبلة. في المقابل، يبعث على التفاؤل امتلاك العالم أدوات اقتصادية حكومية وخاصة أكثر تطورا في التغلب على الآثار الاقتصادية، كما يملك تقنيات أكثر تقدما قد تمكنه من التصدي للوباء بشكل أفضل، أو تطوير دواء ناجع أو تطعيم آمن قبل حدوث موجات أخرى.

إنشرها