التدرج لمواجهة الأثر الاقتصادي للجائحة

|

لعل أكبر ما يشغل المجتمعات اليوم هو العودة إلى الحياة بشكل طبيعي إلى ما قبل أزمة كورونا، وكيف يمكن من خلال مجموعة من الإجراءات أن يتدرج المجتمع في التكيف مع الظروف الحالية، بل يمكن أن نتحدث اليوم عن مسألة أن نتكيف اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا مع ممارسات مختلفة بهدف الحد من انتشار الأمراض المعدية في المجتمع، حيث إن الفترة الماضية كانت صعبة جدا على المجتمعات في العالم. ولعل الإجراءات الحكومية خففت كثيرا على أفراد المجتمع، لكن هذه المرحلة هي اختبار حاسم لأفراد المجتمع لإظهار قدرته على أن يكون قادرا على التكيف مع ظروف صعبة يمكن أن يخرج الاقتصاد فيها بنتائج إيجابية تجعل لهذه ميزة نسبية، إذ إن العالم اليوم يقيم تجارب الدول لتكون مثل هذه التجربة تقييما لقدرتها على مواجهة الأزمات وقدرة المجتمع على التكيف مع هذه الظروف الصعبة، وقدرته بالتالي على الخروج بأقل الخسائر بما ييسر عودة النشاط الاقتصادي بصورة إيجابية على المدى الطويل.
الإجراءات الحكومية الاحترازية والكفاءة في إدارة الأزمة كان لهما دور كبير في التخفيف على المجتمع من الناحية الصحية والشعور بمستوى عال من الاطمئنان، من خلال قدرة النظام الصحي على الحد من الأثر السيئ للأزمة، كما أن سرعة اتخاذ القرار جعلته أكثر فاعلية، واليوم نعيش - بحمد الله - نعمة كفاءة النظام الصحي ونظام إدارة المؤسسات الحكومية عموما.
المرحلة اليوم تركز على كيفية العمل على أن تعود الحياة كما كانت عليه قبل جائحة كوفيد - 19، إذ إن الاقتصاد العالمي تأثر كثيرا، والمملكة جزء من هذه المنظومة، وتأثرت من خلال مجموعة من العوامل التي يمكن أن يكون أهمها تأثر أسعار النفط الذي يعد مصدر الإيرادات الأهم حاليا، إضافة إلى الأنشطة الاقتصادية المحلية بسبب الإغلاق لمجموعة من الأنشطة، والتكلفة العالية للإجراءات الصحية والوقائية، وهذا يمثل عبئا على الميزانية العامة للدولة ويعيد ترتيب الأولويات، لكن اليوم نحن أمام مرحلة جديدة من المهم العمل على تعزيز القدرة على أن تعود الحياة تدريجيا، ولعل الإجراءات الحكومية لتخفيف أثر الأزمة في الشركات والمواطنين من موظفي القطاعين العام والخاص يمكن أن تخفف كثيرا من هذه الأزمة.
من المهم في هذه المرحلة تحديد الفجوات التي يمكن أن تؤثر في عمل مجموعة من الأنشطة الاقتصادية، حيث تم العمل على الحد من أثر الأزمة، لكن ليكتمل عمل المنظومة في ظل التدرج لفتح الأنشطة الاقتصادية، يمكن تقييم أثر الإجراءات والعمل على تحديد الفجوات لتعزيز قدرة الأنشطة الاقتصادية على تجاوز الأزمة، ولعل منها العمل على دراسة وضع الأنشطة الاقتصادية والنظر إلى مسألة الإيجارات للمحال التجارية، سواء بتخفيضها هذا العام أو بمنح مدد إضافية مجانية، نظرا إلى الظروف القاهرة التي تشهدها الأنشطة الاقتصادية، ولا يشمل ذلك الأنشطة التي لم تتأثر واستفادت من مقارها خلال الأزمة. ومن الفجوات، مسألة السيولة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة أو المنافذ التجارية عموما، حيث يمكن أن تكون هناك مبادرة من القطاع الخاص بتمويل منافذ البيع بالسلع لتشجع الدفع المؤجل أو دفع قيمة السلع بعد بيعها، وهذا شكل من أشكال التمويل. كما أن هناك تجربة تحدث عنها المهندس رياض الربيعة، وألف فيها كتابا، وصفها بالمصرفية الإيجابية، تقوم على أن التمويل للأفراد يكون من خلال المؤسسات المالية، على أن سداد تكلفة التمويل يكون من المصانع المزودة للمنافذ بالسلع، وهذه العمليات يمكن أن تتم بعقود التمويل بالمرابحة من قبل المؤسسات المالية، لكن الربح الذي تحصل عليه المؤسسات المالية، تدفعه المصانع أو المورد للسلع لمنافذ البيع.
ومن المهم في هذه المرحلة تشجيع المنتج الوطني والقوى العاملة الوطنية، حيث يمكن للفرد في الظروف العادية أن يجد نوعا من الأريحية في اختيار ما يراه مناسبا من المنتجات، وإن كان اختيار المنتج الوطني ينبغي أن يكون الخيار الأول دائما. لكن في هذه المرحلة إسهام المواطن في تحسن الاقتصاد وتعزيز فرص حصوله على الكسب وتخفيف عبء البطالة المحتملة، مسؤولية مجتمعية أثرها ينعكس على المواطن إيجابا أو سلبا، بحسب مشاركته والتزامه بذلك، ولعل جودة المنتج الوطني لا تجعل من يلتزم بذلك متأثرا، بل على العكس من ذلك، يدعم تحولا وطنيا إيجابيا على المديين القصير والبعيد.
الخلاصة، إن الخطوات التي تمت إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة، لا شك أن لها أثرا في التخفيف على المواطن في المملكة ولعودة الحياة والاقتصاد كما سبق، ومن المهم التقييم المستمر للإجراءات وتحديد الفجوات التي يمكن أن تكون مكملة وتدعم نجاحا أكبر للخطوات الحكومية، ومشاركة المواطن في دعم المنتج الوطني والقوى العاملة الوطنية مسؤولية سيكون لها الأثر في تخفيف أثر الأزمة.

إنشرها