مقياس المدرسة الثانوية بديلا عن اختبار القياس

|

في مقالات عدة، قلت: انتهى زمن الجودة ومراقبتها، فإجراءات الرقابة على الجودة لم تنتج شيئا ذا أهمية، وتجربة كورونا لم تزدني إلا قناعة برأيي، فالجودة لا تقدم شيئا، ومؤشرات الأداء تؤدي إلى تدمير الإبداع والابتكار، وتعرض المنشأة لخطر هدر الموارد. قدمت في هذا مبررات عدة في مقالاتي السابقة، وأن إدارة المخاطر هي النموذج الأصح حاليا، ولعلي أعود إلى ذلك مرة أخرى. لكن في مقدمة مقالي هذا، أشير إلى أن مشكلة اختبارات القياس عموما هي مشكلة مفهوم الجودة، وهو مصمم على أساس هذا المفهوم، لذا لا يقدم ولم يقدم شيئا يذكر لتحسين مخرجات التعليم، ولا يقدم شيئا ذا بال لدعم الجامعات بشأن مخاطر تسرب الطلاب، ولا يقدم نموذجا كفؤا للتنبؤ، لكنه يقدم حلا مريحا للجامعات بشأن معالجة قبول الطلاب أو توزيعهم اعتباطيا بين الأقسام، لذا يدافع عنه عميدو القبول والتسجيل بضراوة، لأنه يرفع عن عواتقهم جهد القبول الحقيقي، لتبقى المسألة كلها مجرد الضغط على أيقونة "احسب" في واجهة ذلك التطبيق الأعمى، الذي أمامه على الجهاز الأصم، مدعيا لنفسه أن البرنامج الآلي ذكي بما يكفي ليكتشف الطالب الأجدر بالمقعد الجامعي. لكني أقولها، وبعد أعوام طويلة قضيتها طالبا، وأعوام أكثر عضو هيئة تدريس، وأعوام ليست قليلة قياديا في الجامعات: إن نموذج القبول المستند إلى درجة الثانوية لم يزل عندي أفضل، لكنه مرتبط بنوعية الثانوية التي تخرج فيها الطالب، فلو أن "قياس" قدم لنا مقياسا للمدارس الثانوية الأفضل، ولو أنه طور مفهوم "خطر تخرج الطالب من الثانوية وهو غير قادر على المواصلة في الجامعة"، كأهم مقياس للمدارس، لكانت الأمور أفضل بكثير، ولتنافست المدارس الثانوية فيما بينها، ولكانت قيمة المدرس الأقدر أكبر، وكان تأثيره أعمق، وتنافست المدارس على استقطابه.
لم تثبت الدراسات وجود علاقة بين نتائج الطلاب في أي مرحلة سابقة ونتائجهم في المرحلة التي تليها، ذلك أن كل عام وفصل دراسي له متغيراته، وأن أستاذا متميزا يصنع مادة متميزة وطالبا شغوفا بالعلم، وأن أستاذا غير مؤهل يصنع ألما طويلا لطلابه، والإرشاد الأكاديمي المتميز يعالج تعثر الطلاب بدلا من إهمال توجيههم وتركهم يخوضون التجربة الجامعية من خلال نصائح الطلاب الآخرين. لذا، أقول: إن الحكم على الطلاب من خلال المقاييس الآنية الحالية هو تحطيم أعوام من الدراسة، وتعطيل لها بلا مبرر منطقي ولا تجربة ملموسة، والأجدر اليوم هو ترك هذا النموذج تماما، أو جزئيا على الأقل، وتطعيمه بنموذج مختلف، فلا بد من قلب المعادلات، وأن تبدأ الجامعات بالتنافس على الطلاب من خلال تنافسها على خريجي المدارس الثانوية التي أثبتت قدرتها على تخريج طلاب قادرين على المضي قدما في التعليم الجامعي.
لا بد أن ندرك اليوم أن الثانوية لم تعد شهادة للعمل، فقد تغير الحال، وأصبحت مرحلة تعليمية وسيطة، وحصول الطالب على الشهادة الثانوية ليس إلا لإثبات حقه بالفوز بمقعد في الجامعة. نشأت مشكلة القبول في الجامعة عندما لم تستطع المدارس الثانوية إدراك هويتها الجديدة، فأصبح بعض المدارس تعتقد أنها مرضية للمجتمع إذا حصل طلابها على معدلات مرتفعة، فمع السيل الجارف من المعدلات المرتفعة نشأت فكرة اختبارات قياس، لكن حتى الآن لم تستطع الجامعات تقديم مبرر كاف لطريقة توظيفها لهذا المقياس، ولم تقدم حتى الآن تعريفا لرقم النسبة الموزونة، ولم تقدم تفسيرا منطقيا لماذا تجبر الطلاب جبرا على تخصصات لم تعد مطلوبة في سوق العمل. ولأن هذه العملية غير دقيقة ومنصفة، تذهب الجامعات إلى العام التحضيري الذي من خلاله تؤكد عدم قناعتها بنتائج القبول. هذا الهدر الكبير في الموارد والتكلفة المرتفعة لتحضير الطلاب للجامعة وتعريض طموحهم وأسرهم للألم، يحتاج إلى معالجة أفضل، ولا أعتقد أن هناك أفضل من عدم تحميل الطلاب وزر غيرهم، وأن تتحمل المدارس الثانوية والجامعات نصيبها. كيف؟
على هيئة تقويم التعليم أن تطور مقياسا لخطر تخرج الطالب من الثانوية وهو غير قادر على المضي قدما في الجامعة، هذا الخطر مرتبط بالمدرسة نفسها، وبتأهيل أساتذتها، ومهاراتهم، وخبراتهم، بإدارة المدرسة، ببيئتها التعليمية وبرامجها غير الصفية، بحزمها وجديتها، وغيرها كثير. ثم يكون هذا المؤشر المهم أمام المجتمع، والجامعات التي يجب عليها أن تصحح درجة الثانوية باستخدام "خطر التخرج" هذا، وبمعادلة منطقية. وعلى الطلاب الذين تأثروا بذلك تعويض النقص بأمرين معا أو بأحدهما، فإما إثبات الأهلية من خلال تحديد درجة محددة لاختبار محدد واحد من هيئة تقويم التعليم، وإما الدخول في عام تحضيري مشروط بمعدل، ويمكن أن يكون مدفوع الثمن أو بلا مكافأة، وهذا منطقي، لأن قرار الأسرة والطالب الخاص باختيار المدرسة الثانوية، أصبح له تبعات يجب تحملها، وهذا سيقود الطلاب والأسر إلى التحرز من الثانويات التي يرتفع فيها الخطر، ويجعل المدارس الثانوية تتجنبه بقوة، وهذا في المحصلة سيرفع من أداء التعليم العام، وفي المقابل يخفف من تكلفة القبول الجامعي. وأما الجامعات، فعليها أن تطور من خطر تخرج الطالب من قسم وهو غير قادر على العمل، لضعف المستوى أو لضعف الطلب، وعلى الجامعة أن تقلص المقاعد في هذه الأقسام ذات الخطر المرتفع وتحول مقاعدها ومواردها إلى الأقسام التي حققت نسبا مقبولة. هذا يجعل الجامعات توجه مواردها لمقابلة طلب الطلاب الحقيقي بما يحسن من الطلب العام على خدماتها ويوجه الموارد التوجيه الصحيح لها.
هذه من النماذج والأفكار التي يمكن لإدارة المخاطر أن تقدمها اليوم لنا، ولو تمت دراسة هذه الأفكار، أو غيرها، بطريقة أكثر مهنية وعمقا، فسنصل إلى نموذج متطور يحافظ على أهم ثرواتنا، وهم الشباب.

إنشرها