البرامج الإنمائية والمخاطر الاقتصادية

|

أنتج وباء كورونا المستجد ركودا عالميا، إلى درجة أن وصفه ريشي سوناك وزير المالية البريطاني، في بلاده بأنه الأعنف منذ 300 عام. وبعيدا عن الخلافات حول توصيف هذا الركود، إلا أن الاقتصاد العالمي توقف بالفعل، وفي بعض المناطق المحظوظة توقف جزئيا، ما أنتج بالضرورة ركودا قد لا يستمر طويلا، إلا أنه أضاف أعباء هائلة ومفاجئة على كاهل كل الحكومات دون استثناء.
هذه الأعباء ولدت أزمات مختلفة، مثل ارتفاع مستويات الديون السيادية، وحالات الإفلاس المتصاعدة، وبالطبع ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية، وغير ذلك من الآثار السلبية الأخرى، التي زادت من الفقر العالمي.
تأثرت سلبيا أيضا برامج استثمارية وإنمائية كثيرة، سواء تلك التي تمولها الدول المانحة، أو المشاريع التي اعتمدتها المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة. ورغم أن هذه المشاريع حققت قفزات نوعية بالفعل في العقدين الماضيين، إلا أن تراجع مستوى المساعدات، وضعها في دائرة الخطر المحدق. فكل هذه المشاريع يحتاج إلى تمويل مستمر، لأنها تتضمن برامج محسوبة بدقة شديدة، وتستهدف أساسا كثيرا من الميادين التي تدخل ضمن نطاق التنمية المباشرة، وتحصين ظروف الحياة في مئات الدول الفقرة حتى النامية أيضا. وفي مقدمة هذه البرامج، الحد من الفقر، ووقف الموت الناجم عن أوبئة يمكن السيطرة عليها بسهولة، وتقليل الإصابات بأمراض يفترض أنها صارت من الماضي، ورفع مستويات التعليم ونشره في كل المناطق دون استثناء، وغير ذلك من المشاريع البيئية والخدمية، وغيرها.
ولأن العوائد تراجعت في كل الدول، فإن البلدان المانحة صارت تحت ضغوط كبيرة. فالأموال التي تضخها هذه الدول قد تتراجع بنحو 25 مليار دولار في العام المقبل، ما يدفع الجهات الدولية إلى وقف عدد من المشاريع الإنمائية المحورية.
صحيح أن الدول المانحة لن توقف مساهماتها المالية لهذه البرامج، لكنها ستخفض من مستويات دعمها قدر الإمكان، لمواجهة الاستحقاقات المحلية على أراضيها. ووفق بعض الجهات المعنية، فإنها تتوقع أن توقف بعض الدول مساهماتها المالية تماما حتى يتضح المشهد الاقتصادي. لكن لا بد من الإشارة هنا، إلى أن دول مجموعة العشرين أقرت في قمتها الأخيرة بقيادة السعودية، تخصيص خمسة تريليونات دولار لمساعدة الدول الأكثر تضررا من وباء كورونا المستجد. وهذه النقطة الإيجابية الوحيدة في هذا المجال حاليا.
الدول النامية تحتاج بالفعل إلى 2.5 تريليون دولار حزمة مساعدات لتواجه تداعيات الجائحة القاتلة. ومن هذه التداعيات، هروب رؤوس الأموال، وانخفاض قيمة عملاتها، وتوقف حراكها التجاري الذي تعتمد عليه، وتراجع خطير في مستويات التحويلات الخارجية إليها. هذا الأمر لا دخل له بالبرامج الإنمائية التي تشرف عليها الأمم المتحدة مباشرة، وتلك التي يتعهدها الاتحاد الأوروبي. وهذه هي نقطة مهمة جدا، لأن المشاريع الإنمائية تختص بالمستقبل أكثر مما ترتبط بعمليات الإنقاذ أو الإصلاح، أو ما شابه ذلك.
وهنا تكمن المخاطر التي تتعلق بالمخططات الدولية التي حققت تقدما كبيرا في الأعوام الماضية، ويخشى القائمون عليها أن تتراجع بصورة تصعب إعادة تحريكها في المستقبل القريب. كل شيء بات مرتبطا الآن بمصير الاقتصاد العالمي من جراء كورونا، الوباء الذي فشل العالم حتى اللحظة في إيجاد لقاح ناجع له. لذا، تظل المخاوف موجودة حول مستقبل المساعدات الإنمائية في ظل هذا الوضع المخيف والمنهار للاقتصاد العالمي ونموه.

إنشرها