سعودة المهن خطأ

|
نظريا، أكبر تحد يواجه سوق العمل، هو القدرة على التفريق بين نواحي الرفاهية والنواحي الإنتاجية. سوق العمل بطبيعتها تؤثر في بعض، وبالتالي القفز من الرفاهية إلى الإنتاج يحدث غالبا، ما يجعل التوصل إلى سياسات تخدم الاقتصاد دون تأثير في الرفاهية، أو العكس، يبعثر جهود وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. أغلب محاولات التوطين لم تحقق الأهداف المرجوة، رغم الدراسات والتكاليف، لأن الافتراضات الاقتصادية لم تخضع لتفكير وتحليل عميقين. جاءت في بالي تساؤلات اقتصادية عدة على أثر سؤال من رجل أعمال حول توطين أعمال المخابز. استهداف المهن للتوطين يبدأ عادة من اعتقاد أن هذه المهنة أو تلك مهمة أو بسيطة، وبالتالي المواطن أحق بها من الوافد. هذا الطرح يتضمن عدة افتراضات اقتصادية أحيانا تمر دون تمحيص. التحدي أن كثيرا من هذه الافتراضات متداخل، لذلك على المراقب توخي الحرص في الفرز بين هذه الافتراضات.
الأول: تسعير أجور المهن معروف وثابت، وبالتالي سيستمر كأن الاقتصاد في حالة انتظار معلقة للأبد.
الثاني: المواطن سيتجاوب مع ما يرى التكنوقراط أو حتى رجل الأعمال كأنه مجرد لعبة على رقعة شطرنج الاقتصاد.
الثالث: فاتورة الأجور والرواتب في المجتمع عالية قياسا على الإنتاج والإنتاجية، وتوزيعها أقرب لرغبات رفاهية مجتمعية، منها المنافسة الاقتصادية، وبالتالي استهداف المهن لا يفرق بين القطاعات من ناحية، ولا بين الاستهلاكي والإنتاجي من ناحية أخرى.
الرابع: تتشكل التصرفات وسط آلية الثواب والعقاب في المجتمع "منظومة الحوافز" بصورة ضعيفة.
الخامس: سياسة التوطين تستبعد دورا مؤثرا لاستثمارات رأسمالية في التقنية والمعرفة البشرية لذلك، نظرتها للمهن غالبا ليست مستقبلية.
السادس: التوظيف والتوطين يأخذان مرتبة ثانية بعد المشاركة، إذ إن مشاركة المواطن كنسبة من السكان في سوق العمل ما زالت منخفضة.
الهدف العميق من التوطين ليس الإحلال، لكن سيطرة العناصر الوطنية على عملية الإنتاج من خلال الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، يعين على المستقبل. الإحلال تحصيل حاصل إذا تمت مراجعة اقتصادية عميقة ويكون عنوان المرحلة فيها، إعادة تحجيم الاقتصاد الوطني حكومي، وبالتالي تضخيم الاقتصاد حدث بجهود عامة وإعادة تحجيمه ستأتي بسبب جهود عامة.
إعادة تحجيم الاقتصاد تبدأ بشريا بتقليص مؤثر لأعداد الوافدين، كلما قل الوافدون أصبح تسعير عوامل الإنتاج أكثر واقعية، وهذا ليس للأيدي العاملة وحدها، لكن للعوامل الأخرى أيضا، مثل رأس المال والتقنية حتى الخبرة المتراكمة والقدرات الوطنية على التنظيم والتعلم. سيختلف كثيرون حول المستوى المؤثر لتقليص الوافدين، والأمل ألا توظف هذه الحقيقة للمماطلة والتسويف، خاصة أنه ليس هناك رقم معين أو نسبة معينة نستطيع حسم القول إنها ستنقلنا إلى مدار آخر. حين يتم تقليص الوافدين ستتغير الصورة وأنماط التصرفات، لكن هذا أيضا يعتمد على عوامل أخرى، منها قبول المنافسة بين السعوديين، وإعطاء رب العمل الحق في التخلص من العنصر الوطني المقصر أو غير المنتج، شرط استبداله بعنصر وطني آخر فقط.
التوطين الحقيقي يبدأ من التوزيع الطبيعي لخيارات وقدرات ومواهب الناس من ناحية، والفرص المتوافرة في نطاق الدخل المقبول من ناحية أخرى، عوامل تحدد توزيع وتوطين المهن. لب الموضوع يدور حول منظومة الحوافز في المجتمع. محاولة التوطين ليست جديدة، بل بدأت منذ عقود وأصبحت صناعة يستفيد منها كثير من الاستشاريين حتى الأكاديميين الأجانب، دون تحول عميق في هيكل القوى البشرية الوطني. الحديث عن التعليم والتدريب مهم جدا ومفصلي في عملية تحول اقتصادي لنقل المملكة إلى مصاف الدول الأكثر تقدما، لكن القفز إلى هذا الطموح دون المرور بسيطرة المواطن على مفاصل العمل ومواجهة قوى الإنتاج، ليس أكثر من وصفة انتظار محسوبة لدى البعض. المساءلة ليست ضد الوافد، فالمملكة ضمن الأكثر توظيفا للوافدين إلى أن أصبحت من أعلى خمس دول في العالم في تحويلات الوافدين.
المملكة تحتاج إلى وافد من نوع آخر، يكون أكثر تعليما وأرقى مهنيا، إذ أغلب الوافدين من أصحاب التعليم المنخفض والمهارات غير المقننة. الأجور المنخفضة لأغلبهم تخدم الاستهلاك، لكن إذا أردنا تحديث الاقتصاد، فهي لا تخدمنا، لذلك علينا التفكير في خيارات مختلفة.
إنشرها