توحش الحيوان وتوحش الإنسان

|
مع الجلوس في المنزل نتيجة الاحترازات الصحية لتفادي الاختلاط، وتحقيق التباعد الاجتماعي وجدت فسحة من الوقت تكفي لإنجاز الأعمال المعتاد القيام بها في الأيام العادية وزيادة، لذا وجدت نفسي بحاجة إلى ملء الوقت الزائد في أنشطة أقرب إلى الترفيه منها إلى الجد، وقد وجدت في مشاهدة البرامج الوثائقية التي تبثها بعض القنوات الفضائية، أو ما هو مسجل على "يوتيوب" مجالا خصبا لزيادة المعرفة والتسلية في الوقت ذاته، ومما شاهدته برامج عن مقابلات مع مسؤولين سابقين يتحدثون عن خبراتهم في المناصب التي اعتلوها، وكيف تعاملوا مع القضايا والمشكلات التي اعترضتهم، كالنزاعات والحروب التي كانت بلادهم طرفا فيها، أو أصبحت طرفا فيها دون إرادتهم. بل ربما وقعت بلادهم في شباك الخديعة، ليكون التدخل الذي ربما مر عليه عقود مصدرا لمشكلات متوالية تظهر بين فينة وأخرى.
البيئة الفطرية ممثلة في الغابات والصحاري والبحار والأنهار، تمثل حقلا ثريا للأفلام الوثائقية التي سجلها هواة وعلماء قادهم فضولهم وشغفهم لاكتشاف المجهول، ومعرفة أسرار الكائنات الحيوانية، والنباتية إلى تجشم الصعاب، والتعرض لمواقف خطرة تهدد حياتهم في كثير من الأحيان.
محميات الحيوانات والطيور فيها ما يبهر النفوس، ويشحذ العقول لاكتشاف قوانين السلوك التي تمارسها الأطراف المختلفة، والتي توجد في الغابة أو المحمية، فما يوجد فيها ليس على درجة واحدة من حيث القوة والشراسة، أو حجم الجسم أو السرعة، فعندما تجتمع الأسود والفهود والنمور والغزلان والحمر الوحشية، والقرود والحيات والطيور لا بد لهذا التنوع المتناقض من نظام أقرب ما يكون إلى القوي يأكل الضعيف، ولعل ما شدني أن ضخامة الجسم قد لا تنفع صاحبها عندما يكون في مواجهة مع حيوان شرس جائع يبحث عن فريسة يسد بها جوعه، وما لفت نظري أن سلوك الهروب من العدو الشرس تمارسه الغزلان والحمر الوحشية، كما أن الدفاع الجماعي كان سلوكا واضحا، وما لفت انتباهي سلوك التخفي بالأشجار والسكون التام من قبل الحيوانات الصغيرة جسما أو عمرا.
لم يكن يخطر ببالي قبل مشاهدة البرنامج أن طيرا صغير الحجم بإمكانه قتل حية كبيرة، إلا أن هذه هي الحقيقة، إذ بمنقاره الحاد وخفة جسمه، ومناوراته في الحركة يمنة ويسرة، ومن الأمام والخلف والهجوم من الأعلى، تمكن في النهاية من ضربها على رأسها، وكرر هذا الفعل حتى أرداها ليعلقها على الشجرة، ويتناول طعامه منها على فترات.
البيئة القاسية ممثلة في الصحاري الجدباء قليلة الأشجار والمياه، أو تلك شديدة البرودة، حيث تتساقط الثلوج وجدت من يعشقها ويتكيف مع ما فيها من ظروف قاسية، وأصدق القراء أني إلى ما قبل رحلة موثقة قام بها هاو سعودي للصحراء الغربية لم أكن أعرف أن فيها جبالا وأراضي جرداء بهذا الشكل، وكنت أظنها رمالا سيالة، كما في الدهناء أو النفود.
محصول الزيتون الذي يجنيه سكان الصحراء يخزنونه في تجويف صخري لا يتعرض للشمس لحفظه من التلف، وهذا ربما يماثل الجصة التي كنا نخزن بها التمر في نجد قبل الثلاجات والفريزرات.
ما شاهدته من برامج، وأفلام وثائقية أثار في ذهني تساؤلا مفاده: هل يوجد فرق بين ما يحدث في الغابة من صراع بين الحيوانات والطيور، وبين الحياة البشرية حيث الصراع والحروب، والنزاعات التي تستمر لعقود، سواء بين دول مختلفة، أو بين مكونات مجتمع واحد؟
في الحقيقة لم أجد فرقا شاسعا، فالإنسان يمارس سلوك الشراسة مع أخيه الإنسان لمطمع مادي أو لنفوذ، أو انتصار لمبدأ يعتقد أنه الصواب، ولذا عبر التاريخ شهد العالم حربين عالميتين قتل فيهما مئات الملايين من البشر، ودمرت مدن وشرد ساكنون من بيوتهم، كما انتشرت الأوبئة والفقر والجوع نتيجة هاتين الحربين، ويضاف إلى ذلك حروب ونزاعات محلية وإقليمية، كما في أفغانستان، واليمن، وكما حدث في لبنان، وما عرف بالحرب الأهلية.
شراسة الإنسان وقسوته مع أخيه الإنسان لا تحتاج إلى إثبات، فهي تؤكد نفسها، فالشركات الكبرى تبتلع الصغرى، والدول القوية عسكريا والكبيرة ذات النفوذ، تفترس الدول الصغيرة والضعيفة وتسرق خيراتها، وما حدث أثناء أزمة إنفلونزا الخنازير، وما فعلته شركات الأدوية من تضليل وخداع لتسويق منتجاتها، يؤكد أن شعار حقوق الإنسان ما هو إلا شعار زائف ترفع راياته دول لتجمل وجوهها القبيحة.
إنشرها