الأوبئة تعمق الفقر

|
ضرب وباء كورونا المستجد الاقتصاد العالمي بقوة خلال عام 2020، وتسبب في إحداث صدمة قوية غيرت مساره من نمو عالمي بحدود 3 في المائة إلى انكماش بالنسبة نفسها، كما تشير توقعات صندوق النقد الدولي. وتعد نسبة التراجع الاقتصادي هذه الأسوأ منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين. وتقدر مصادر متعددة أن تصل الخسائر الاقتصادية ذروتها في الربع الثاني الحالي حيث قد يخسر أكبر اقتصاد عالمي 40 في المائة من ناتجه المحلي ربع السنوي. لكن المقلق حقا هو أن تأثير التراجع الاقتصادي السلبي في الفقراء سيكون أسوأ من التأثير الكلي في باقي مكونات المجتمع الإنساني، كما تشير إليه تجارب الأوبئة السابقة. وتراجعت خلال الأعوام الماضية عدالة توزيع الدخول على المستوى العالمي، ويتوقع أن تزداد سوءا مع تراجع الاقتصاد العالمي.
تنخفض مهارات العمل لدى الشرائح السكانية الفقيرة لأسباب متعددة؛ لعل من أبرزها ضعف التأثير السياسي والاجتماعي والتمييز ودائرة الفقر نفسها التي تجبر المعوزين على العمل لسد رمق العيش وتخفض قدراتهم ومواردهم للحصول على المهارات ومتابعة التعليم. وتشير التجارب التاريخية إلى خفض الأوبئة للأنشطة الاقتصادية التي قادت إلى انحدار الطلب على العمالة رافعة معدلات البطالة بشكل كبير. وتفقد العمالة الأقل مهارة عادة وظائفها قبل العمالة الأكثر تعلما ومهارة؛ ما يرفع معدلات البطالة بين الفقراء، ولكن الأسوأ من ذلك هو مواجهة العمالة الأقل مهارة صعوبات أكبر في الحصول على وظائف جديدة؛ ما يطيل مدد تعطلها. أما إذا تعمق الركود الاقتصادي فسيزيد الضغوط على أجور العمالة ويخفضها؛ ما يرفع أعداد الفقراء ويخفض دخولهم ويعمق العوز والحاجة بينهم. ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ بل تقود البطالة أيضا إلى خسارة الفقراء معظم مدخراتهم البسيطة وتحملهم ديونا إضافية تستمر أعباؤها فترات طويلة. كما تتسبب الأوبئة في خفض إيرادات الحكومات؛ ما يدفع عديدا منها بعد مرور فترة الوباء، إلى الاستدانة أو فرض ضرائب إضافية أو خفض مخصصات الخدمات العامة وشبكات الحماية التي تستهدف الفقراء أو ترفع أسعار المواد الأساسية التي لا غنى للبشر عنها.
يورد صندوق النقد الدولي في أحد إصداراته بعض البيانات عن عدالة توزيع الدخل بعد بعض الأوبئة. وتشير البيانات إلى تراجع عدالة توزيع الدخل في الدول التي عانت الأوبئة خلال القرن العشرين واستمرارها حتى بعد خمسة أعوام من نشأتها. حدث ذلك على الرغم من الجهود الحكومية التي حاولت التخفيف من آثار الأوبئة في المجتمعات من خلال سياسات إعادة توزيع الدخل بين الشرائح السكانية الأعلى دخلا إلى الأقل دخلا. وطالت فترة تأثير الأوبئة في الفقراء لعدة أسباب؛ لعل أبرزها تضاؤل فرص التوظيف بالنسبة لهم، وانخفاض تحويلات العمالة عبر الحدود. وتفيد البيانات بعودة مستويات توظيف الحاصلين على تعليم عال إلى مستوياتها السابقة بعد خمسة أعوام من بدء الوباء، ولكن نسب توظيف الحاصلين على التعليم الأساسي تراجعت بنسبة 5 في المائة.
تتخذ الحكومات سياسات التصدي للأوبئة وآثارها الاقتصادية والصحية بسرعة للحد من آثارها الكارثية في حياة البشر ومعيشة السكان. لكن حقيقة معاناة الفقراء بشكل أكبر من الأوبئة ولفترات زمنية طويلة تتطلب توجيه سياسات استهداف معينة للتخفيف من آثار الأوبئة في الشرائح السكانية منخفضة الدخل التي تملك مدخرات محدودة ويعتمد معظمها على الأجور والدعم. وما لم تكن سياسات الاستهداف فعالة، فإن معدلات الفقر وعدالة توزيع الدخول ستزداد سوءا. ويضع معظم دول العالم شبكات حماية لمساعدة الفقراء والعاطلين عن العمل، لكن هذه الشبكات قد تقصر كثيرا في دعم بعض الشرائح السكانية الذين من أبرزهم العاملون في القطاعات غير المنظمة أو المشتغلون البسطاء لأنفسهم والعاملون بالأجر اليومي.
ضرب وباء كورونا قطاعات معينة لعل أبرزها قطاعات السياحة والسفر والنقل، ويعمل في هذه القطاعات كثير من العمالة غير المنظمة، كما قد تتأثر مدن أو مناطق معينة بدرجة أكبر مما قد يزيد نسب الفقر أو يركزها في مناطق وبؤر معينة.
إنشرها