الاحتياطي خط الدفاع الأول للمالية العامة

|
المقصود عادة بالاحتياطي مدخرات الدولة، بأهم العملات الأجنبية. وقد يعمم المعنى لتدخل فيه استثمارات مالية للدولة. ولن أدخل في تفاصيل المعنى لأنه يطيل المقال. وهناك احتياطي من نوع آخر، وهو مهم أيضا للمالية العامة، القدرة الإنتاجية النفطية الاحتياطية.
نعرف معاناة اقتصادات الدول حكومات وقطاعات وشعوبا بسبب الحجر الأداة الأولى لمكافحة انتشار وباء كورونا. وتدخل في هذه المعاناة الدول النفطية جراء الهبوط الحاد في الطلب على نفطها وتبعا إيراداتها. لكن معاناة الدول والشعوب ليست سواء. فبلادنا السعودية أقل معاناة مما شوهد في كبرى الدول الأخرى المصدرة للنفط. ويعود الفضل بعد الله إلى إدراك قيادتنا أهمية العاملين الاحتياطي المالي والاحتياطي النفطي أوقات الضيق والشدائد والظروف غير العادية. التي تقع بين حين وآخر، بتقدير العزيز العليم.
وجود الأول مكن الدولة من تقديم أنواع من الدعم بما قارب 200 مليار ريال حتى الآن. بعضها سحب من الاحتياطي، وربما أيضا من الحساب الجاري. لكن البعض الآخر دين عام، وكان لوجود الاحتياطي الكبير بحمد الله أثر كبير في تسهيل حصول الدولة عليه بشروط ميسرة. ولا يتعارض ذلك مع توجه الدولة إلى تقليص العجز. وقد أعلن وزير المالية مطلع هذا الشهر توجهات أقوى لخفض العجز وتقليص وترشيد الإنفاق تبعا للأوضاع الراهنة. لكن دون إضرار بمستوى معيشة الناس في البلاد.
مطلوب الخفض والترشيد ومد الأرجل بقدر اللحاف حتى لا نكرر غلطة سابقة. في أواسط العقد الأول من القرن الهجري الحالي، العقد الثامن من القرن الميلادي الماضي، انخفضت أسعار النفط انخفاضا قويا، وبدأت الميزانية العامة تعاني العجز. عولج العجز بالسحب من الاحتياطي، حتى قارب على النفاد. وتبعا، لجأت الحكومة إلى الاقتراض عاما بعد عام، حتى تكون دَين بلغ مئات المليارات من الريالات. في الوقت نفسه، تقلص الإنفاق فشحت المشاريع الكبيرة، وأصبحت كثرة من المدارس في مبان مستأجرة، وتقلص تمويل الإسكان والإنفاق على البنية التحتية.
سؤال جوهري: ما مسار المالية العامة المرغوب فيه للمصلحة العامة بعد انتصار البشرية على الفيروس قريبا إن شاء الله، ورجوع اقتصاد العالم إلى نشاطه السابق لنقل بعد عامين أو أقل أو أكثر؟
كثيرون يمنون النفس بعودة الإنفاق الحكومي إلى وضعه السابق قبل الفيروس. بل يمنون النفس بأكثر من ذلك. وليس هذا بغريب فقد خلقنا الله نحن البشر محبين للدنيا والمال، وجزوعين عندما يمسنا الشر.
لكنه ينبغي لنا أن نتعلم درسا بليغا من احتمال وقوع الشدائد بين وقت ووقت. علينا ألا نتساهل في أهمية قوة خط الدفاع الأول للمالية العامة. وهذا الخط ليس شأنا جديدا على البشرية.
هناك أحداث من التاريخ تعطي دروسا للبشرية لا تتغير تبعا لاختلاف العصر والزمن والدول وطبيعة المدخرات والبنية الاقتصادية ومستوى الدخل والتقدم.
طبيعة النفط تزيد من أهمية خط الدفاع الأول في بلادنا ونحوها من الدول النفطية. ذلك أن طبيعة أسعار النفط التقلب. تقلبات حادة وشديدة الحساسية لما يحدث للعرض والطلب. تقلبات تتأثر بقوة بمدى الثقة بالوضع الاقتصادي العالمي في مجمله، وبأوضاع تكلفة البدائل وأوضاع العرض والطلب عموما. وكلما اهتزت الثقة أو تغيرت معطيات العرض والطلب ولو من باب الشائعة القوية زادت التقلبات.
هذه نقاط مقترحة أرى أنها ربما تسهم في تقوية بناء خط الدفاع الأول. ولزيادة التوضيح، إذا تم الأخذ بهذه المقترحات فإن وقت العمل بها ليس الآن، ولكن خلال الأعوام التالية لانتهاء الوباء وانتصار البشر عليه بمشيئة الله سبحانه.
النقطة الأولى أن تعد الميزانية للعام المقبل فصاعدا وفق افتراض أسعار وكميات تصدير أقل من الأسعار وكميات التصدير التي أعدت عليها ميزانية العام الحالي. على سبيل المثال، يقترح إعداد ميزانية العام المقبل على أساس أسعار أقل من 50 دولارا للبرميل، وتصدير لا يزيد على ثمانية ملايين برميل يوميا. طبعا بتوقع رجوع أسعار النفط في النصف الثاني من هذا العام إلى مستويات بداية هذا العام أو قريب من تلك المستويات. ما فاض من دخل يستفاد منه بوجه استثماري، كأن يحول كله أو بعضه إلى صندوق الاستثمارات العامة.
العمل بهذه المقترحات يتطلب ضمن ما يتطلب الاستمرار ولو جزئيا، في تطبيق بعض الإجراءات والسياسات المتخذة أو يعتزم اتخاذها لترشيد وضبط الإنفاق تحت الظروف الراهنة. وتبعا، يطور رصيد كلي معدل يراعى تقليل نصيب الإيرادات النفطية، وتأثير تقلباتها في الإنفاق. ولا ننسى أن هذا يسهم في تقليل إدماننا للنفط حسب ما عبر عنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
الطبيعة التصاعدية للإنفاق الحكومي، مع مرور السنين، تزيد من أهمية تطبيق الخطوة السابقة.
من جهة أخرى، من المؤكد أن ارتفاع الدخل من الموارد الطبيعية (كالنفط) يسهم مساهمة واضحة في إحداث ازدهار اقتصادي، لكن حدوث هذا الازدهار، يجب ألا يعمينا عن النظر في طبيعته: هل هو وقتي، أم أنه يتصف بالرسوخ؟ الخلاصة التي انتهت إليها عدة دراسات وإحصاءات تقول إن وفرة تلك الموارد لا تعني بالضرورة تحقيق نمو اقتصادي راسخ.
وفي إطار نظرة أعمق، فإن تأثير الموارد النفطية (والطبيعية عموما) في النمو الاقتصادي يتسم بالتعقيد وتضارب التأثير. ذلك أن وفرة الموارد تصنع قنوات تأثير إيجابية وقنوات تأثير سلبية. وغلبة أحد التأثيرين على الآخر مرتبطة ومعتمدة على عوامل مستقلة عن وفرة الموارد ذاتها.
كما يزيد من أهمية ما سبق اقتراحه أن الإفراط في الاستدانة سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص يجلب مخاطر أقوى مما يظن خلال فترات الازدهار الاقتصادي.
خلاف ما سبق هناك أوجه ومجالات واسعة لاستثمار وبصفة أعم استغلال موارد عامة لكنها مهدرة. ربما كان أوضح مثال لها الهدر العقاري. الواقع المر أن هناك مبالغة شديدة وهدرا في مساحات المطارات وكثير من الجامعات والأجهزة الحكومية، حيث هي مقامة على أراض تفوق كثيرا حاجاتها. وهناك فرص استغلال أفضل لبعض مباني ومواقع أجهزة حكومية.
أمر آخر. هناك فرصة لتوفير نفقات حكومية على مرافق وخدمات عامة.
كما يساعد على تقبل الناس حثهم وتعويدهم بمختلف الطرق على مزيد ترشيد في السلوك الاستهلاكي. ولعل الأوضاع الحالية أسهمت في تحقيق درجة من هذا الهدف.
أخيرا، أعتقد أن هذه المقترحات ستساعد ليس فقط على إعادة حجم الاحتياطي كما كان في أوج قمته، بل تحقيق طموح زيادته مع الوقت. وندعوه سبحانه أن يعجل برفع الوباء والبلاء. آمين.
إنشرها