حديث الوزير

|
جاء حديث وزير المالية في لحظة تاريخية مهمة مستشعرا إياها واستحقاقاتها بشجاعة ومسؤولية. أحد أهم سمات المشهد الاقتصادي لدينا تداخل المالية العامة مع الإدارة الاقتصادية، ولذلك هناك خلط كبير لدى كثير حول ما يوصف بأنه اقتراح أو توصيات للسياسة العامة، تأخذ هذه التوصيات أشكالا وأبعادا مختلفة مثل التوسع الإنفاقي لعكس الدورة الاقتصادية باستخدام المال العام بالسحب من الرصيد أو الاقتراض أو كليهما، بغرض الاستمرار في المصروفات العالية، أو تمويل استثمارات ذات طابع عمراني، أو الحديث السطحي عن المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تغاض محسوب عن التستر وأشباه التستر، أو اقتراح برامج جديدة فرضا لدعم القطاع الخاص تبدأ بطلب وزارة المالية لتمويلها. لذلك جاء حديث وزير المالية واضحا في التنبيه على مخاطر إدارة المالية العامة وفي تغير نوعي تعامل مع الاستحقاقات الاقتصادية، نظرا للعلاقة المباشرة بين المالية العامة والاقتصاد. كذلك هناك من تعود على تمرير المجاملة تحت عنوان "التفاؤل" كأنه حل للماديات. طبيعة التحدي الاقتصادي المالي تقوم على توظيف المال العام كالأداة الرئيسة للإدارة الاقتصادية، لكن تجربة العقود الماضية تشير إلى أنه لا بد من تغيير جوهري، ولذلك كان خروج الوزير ليقول الصراحة تسجيلا لحكومة تستشعر تبعات الماضي، وتستعد لمواجهة المستقبل بعزيمة وأمانة فكرية وتعاون مثمر بين العامة والقيادة.
لا يمكن تحليل الاقتصاد الوطني دون الإجماع على عدة صفات تميزه لن تخرج عن التالي:
- الميزانية العامة عالية كنسبة من حجم الاقتصاد. - أعداد الوافدين عالية من ناحية لأن المصروفات العامة عالية وتزاحم التطوير البشري من عدة جوانب أفقية ورأسية. - هناك ترهل وظيفي وإداري يخدم الرفاهية لكنه مكلف. - تطور مع الوقت حديث غير واقعي عن تشخيص دور القطاع الخاص والمؤسسات المتوسطة والصغيرة. - أصبح تعريف الاستثمار يبدأ من القطاع العمراني والإنشائي بقيمة مضافة محدودة وهناك عدة أمثلة جيدة مثل الجبيل وينبع. التعامل مع هذه الصفات لا يمكن أن يكون جزئيا لسببين: الأول معنوي إذ إن الرسالة لن تصل لأن الكل يريد أن يعيش على تبعات الماضي المعتاد ويأمل في الاستمرار خاصة حين يتحسن سعر النفط، والثاني: إداري إذ لا بد لكل الخطوات الاقتصادية أن تمر من خلال التحليل والتقييم نفسه لتوظيف المال بكفاءة وضمان الحراك بتسلسل محسوب يصب في الاتجاه نفسه - ممارسة إدارية متكاملة رصينة تأخذ بدور المواطن الإنتاجي وحفظ المال العام بهدف الاستدامة. التعامل مع هذه العوامل مجتمعة يمر من باب إعادة تحجيم الاقتصاد الوطني لإدارة الموارد المتاحة بطريقة مختلفة. حديث الوزير في نظري مهم جدا إذ أعطانا ضمنيا الخيار بين الاستمرار في الماضي المعروف وغير القابل للاستدامة أو مواجهة المستقبل.
الإصلاح دائما إما وقت الرخاء وهذا غالبا ضد طبيعة البشر أو وقت الشدة. لحسن الحظ لدينا قيادة قوية تراهن على المستقبل لأن الماضي مشرف. تحجيم الاقتصاد هو الخطوة الأولى لإعادة هيكلته، التحجيم سيجبرنا على التفريق في توظيف الأموال بين الاستهلاك والاستثمار ويجعل المواطن في قلب الحدث اقتصاديا خاصة في القطاع الخاص ويعيد صيغة التعاون في المجتمع إذ "الراكب المجاني" سينكشف وهؤلاء ليسوا قلة مع الأسف. حديث الوزير الصريح واستخدام كلمة (جدا) عدة مرات كفيل بتهيئة الجميع لما هو مقبل. بقي أن تخرج وزارة الاقتصاد وهي القبعة الأخرى للوزير بورقة بيضاء تشرح الخطوط العريضة لإعادة التحجيم مثل الرواتب وإعادة صياغة الاستثمارات العامة، وتقليل الوافدين بداية بالقطاع العام وهيكلة التعليم وتقليل الميزانية العامة، وإعادة تشخيص دور القطاع الخاص ليكون مكملا لدور القطاع العام وليس قناة للاستفادة من مصروفات عامة، والتخلص من أغلب الشركات الصغيرة والمتوسطة القائمة على درجات من التستر. كذلك لا بد من تحديد الهدف - الاستدامة المالية وارتقاء السلم الاقتصادي تدريجيا لتمكين سعة مجتمعية على جميع المستويات ومعرفة موثقة. حين يذكر الوزير أن بعض التغيرات مؤلمة لا بد لنا من التعاون مع الوزارة في ظل قيادة تعي المصلحة الوطنية العامة لتأخذنا إلى بر الأمان. لحسن الحظ لا تزال المملكة في وضع مالي يمكنها من الانتقال من مرحلة لأخرى أكثر استدامة وعقلانية في التصرفات الاقتصادية. لدينا نافذة مدتها عامان أو ثلاثة للانتقال إلى مدار آخر. قيادتنا طموحة ورسمت الأهداف السامية العليا وعلى الجميع التعاون والصبر وبعد النظر.
إنشرها