المسنون السويديون والجائحة

|
تحتل السويد اليوم الصدارة في الإعلام على مستوى العالم في طريقة مواجهتها لفيروس كورونا. فبعد توارد أخبار المرض المعدي الخطير المعروف بـ«كوفيد - 19» قبل نحو أربعة أشهر، لا يزال العالم يحاول سبر أغوار الأسباب التي تجعل السويد تشذ عن بقية العالم في محاربتها هذا الوباء الخطير.
آخر إحصائية، تشير إلى أن عدد المصابين بهذا المرض حتى ساعة كتابة هذه السطور في يوم الثلاثاء الفائت وصل إلى 18,926 والضحايا إلى 2,274.
الأرقام - حسب إحصائيات جامعة جون هوبكنز - صارت تثير بعض القلق. فمن حيث العدد الإجمالي للضحايا، يأتي ترتيب السويد في المرتبة الـ14 في العالم. بيد أننا لو أخذنا عدد الضحايا نسبة إلى عدد السكان، أي وفاة واحدة لكل مائة ألف شخص، يكون وضع السويد أفضل من دول مثل، إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وإسبانيا، لكنه أسوأ بكثير من جيرانها.
في الأغلب السويد لا تأخذ المقارنات والمقاربات مع دول أخرى في العالم في الحسبان. تهتم كثيرا بجوارها من دول شمال أوروبا. عدد الوفيات في السويد التي تعزى إلى الفيروس المستجد هي 21.5 لكل مائة ألف شخص من السكان، بينما هي 3.44 في فنلندا، و7.28 في الدنمارك و3.78 في النرويج.
مع هذا، يقول أندش تيكنيل، عالم الدولة لشؤون الأوبئة في السويد، إن الوضع في السويد أفضل بكثير، حتى مقارنة بجيرانها، لأن اقتصادها والحياة بصورة عامة لا يزالان يسيران كما يرام، بينما في أغلب دول العالم ومنها جيرانها هناك شبه إقفال أو إقفال كامل.
ومن ثم يشير إلى أن طريقة إحصاء عدد الوفيات دقيقة جدا في السويد، حيث إن أي وفاة بسبب الجائحة وقعت في المستشفيات أو خارجها تتم إضافتها إلى سجلات ضحايا الوباء.
وأقرب دولة إلى اتباع نظام دقيق وبحرص شديد في تسجيل الإصابات والوفيات للسويد في العالم هي بلجيكا، حيث عدد الوفيات لكل مائة ألف شخص يبلغ 62.11 وهو الأعلى في العالم. بلجيكا، حسب المختصين في منظمة الصحة العالمية، تسجل أي وفاة ذات علاقة بوباء «كوفيد - 19»، إن وقعت في ردهات المستشفى أو المنزل أو بيوت المسنين.
وبيوت المسنين، وما أدراك ما بيوت المسنين في الغرب، خصوصا في دول مثل السويد. كي أوضح أن دولا مثل السويد بدأت تشيخ حقا فإن نسبة الذين أعمارهم 65 فما فوق تصل إلى 20 في المائة من عدد السكان البالغ نحو عشرة ملايين نسمة؛ في بلجيكا تبلغ 19 في المائة من نحو 11.5 مليون نسمة.
السويد وبلجيكا يسجلان الوفيات في دور المسنين. وإن علمنا أن نحو 50 في المائة من الوفيات في السويد هي في صفوف المسنين، سنعرف تخمينيا إن كانت الدول الأخرى صادقة في إحصاءاتها حول عدد الضحايا وهي تؤكد علانية أن أرقامها تشمل الوفيات في المستشفيات فحسب.
مثلا، يغيب عدد الوفيات في المنازل ودور سكن المسنين عن الإحصائيات الرسمية حول الضحايا التي هي بعشرات الآلاف في دول مثل بريطانيا، حيث نسبة المسنين تصل إلى 18 في المائة من سكان تعدادهم 65 مليون نسمة، وفي أمريكا تصل إلى 16 في المائة من 328 مليون نسمة، وفي إيطاليا النسبة 22 في المائة من مجموع سكان تعداده 62 مليون نسمة.
هل نصدق الإحصائيات التي تقدمها الحكومات المختلفة حول ضحايا كورونا؟
يبدو أن اتهام الآخر ولومه على ما فينا من مصيبة سمة من بشريتنا، ولهذا فإن الحكومات كبيرها وصغيرها ترى أن غيرها هو الذي يقدم إحصائيات كاذبة.
وهذا ما حدا بمجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية إلى اتهام الجهات المسؤولة في البيت الأبيض بتقديم إحصائيات غير دقيقة ومخادعة عن عدد ضحايا فيروس كورونا لأنها تتضمن فقط الوفيات المسجلة في المستشفيات ولا تشمل الوفيات التي توقعها الجائحة في المنازل ودور المسنين وصفوف المهمشين من المشردين والفقراء.
كم تصل نسبة الخداع في إحصائيات الوفيات في بعض الدول التي تدعي التقدم والتمدن والحرية والشفافية؟ هناك من يخمنها بما لا يقل عن 50 في المائة مما هو مصرح به.
نعود إلى العالم السويدي تيكنيل، الذي إذا تكلم صمت الكل تقريبا، من رئيس الوزراء إلى الوزراء والمؤسسات الكبيرة والصغيرة.
يقول تيكنيل، إن العالم برمته يواجه وباء لا يعرف ما هو ولا يعرف دواءه ولا يملك طريقة سليمة واحدة لمواجهته واحتوائه حتى تقديم إحصائيات دقيقة عن الإصابات والضحايا.
وتيكنيل لم يتزحزح إلا قليلا عن موقفه في الأشهر الأربعة التي يخطط فيها هو وفريقه سبل مواجهة هذا الوباء العالمي.
ولتيكنيل إصرار - حتى الآن على ما يبدو - للمضي في سياساته، متجاهلا النقد والهجوم الذي يأتيه من داخل السويد أو خارجها.
لكن تفشي الوباء بين نزلاء دور المسنين في السويد قرع ناقوس الخطر، وشخصيا أرى أن هذا النذير لا بد أن يجبر العنيد تيكنيل في النهاية على إعادة النظر في بعض حساباته.
في السويد هناك أربع طبقات اجتماعية تعد خطوطا حمراء: الأطفال، والمسنون، والمعوقون، والذين يعيشون على الرعاية الاجتماعية؛ الحكم على صلاحية أي حكومة يستند إلى مدى رعايتها هذه الطبقات.
إنشرها