الاستشراف وصناعة القرار .. لعب أم جد؟

|
يرتبط عالم الأعمال في الظروف الطبيعية بصناعة التوقعات، لذلك نجد أن السعي خلف الأرباح مسألة مقيدة بالمخاطر في كل وقت وحال، وتعتمد على حجم الخطر الذي نرضى به ومدى استعدادنا له. يقول بيل جيتس: "العمل التجاري لعبة بالأموال وبعض القواعد وكثير من المخاطر". كلما تحسنت مقدرتنا على القيام بحسابات المخاطر والعوائد، تحسنت فرصة الخروج بنتائج أفضل، مع أن احتمالية الفشل واردة أيضا لمن يستعد جيدا. التوقعات بطبيعتها تعني بالضرورة استحالة الجزم والتأكد، لهذا ستجد تفسيرات مختلفة لهذا المؤثر الظني، ستسمع عن التعيس المجتهد غير المحظوظ، والموفق الذي يقوده رزقه أو صاحب الحدس والنظرة الثاقبة.
في أوقات الأزمات والجوائح، تصبح صناعة التوقعات وآثارها أكثر تجسدا، فالأخبار وإعلانات الشركات وتحليلات الخبراء مليئة اليوم بمصطلحات مثل "نتمنى" و"عدم اليقين" والأوضاع "القاتمة"، بل ستجد عبارات أكثر دقة في وصف حالة الضبابية مثل "يتعذر حاليا تحديد الأثر المالي" و"الوضع سيخضع لتقييم أكثر دقة لاحقا" و"الأمور ما زالت غير واضحة لمعرفة تأثير هذه التطورات، وبالتالي يصعب تقديم معلومات أوضح، خصوصا في هذا الوقت". ومثل ذلك كل التطورات الإيجابية والسلبية المتسارعة، حتى الدعم الذي تقدمه الحكومات لا يشكل إلا مدخلات في معادلة الاقتصادات، والمخرجات ستظهر بعد مرور الوقت. يضاف إلى ذلك كل القرارات التي يتوقعها المنافسون والمشرعون والموردون في مختلف البقاع. بل إن العملاء أنفسهم أصبحوا يؤثرون في لعبة التوقعات بشكل غير مسبوق، حيث إن تغيير السلوكيات بات أمرا لا يمكن تجاهله خصوصا بعد تأثير التقنية وحلولها المتجددة وأسلوب مواكبتها ومواكبة التنظيمات والسلوكيات لها. بل إن التقنية نفسها، وتحدياتها وتأثيراتها المستقبلية وتوقيت هذه التأثيرات من مدخلات المعادلة الصعبة لصانعي القرار.
بالنسبة للمراقبين ومن يتطلع إلى معرفة النتائج المسألة مرتبطة بالتنبؤ والانتظار، نتائج الربعين الثاني والثالث ونتائج نهاية العام ستعطي تصورات أكثر دقة وستتحسن مع مرور الوقت. لكن بالنسبة للمستثمرين المسألة مختلفة، فهي مسألة اختيار وليست انتظارا، إذ يتجه معظمهم للاختيارات الأكثر تحفظا التي ستحافظ على مواضعهم حتى يتجاوزوا الخطر، بينما يراها بعض المستثمرين فرصة لتحقيق مزيد من النمو والثراء؛ والافتراض هنا أن كل مستثمر راض ومتقبل لمستوى المخاطر التي يتقبلها بهذا الاختيار، وإلا فهو جاهل بها. أهم فئة تندمج في هذه اللعبة هم صناع القرار الحقيقيون داخل أروقة الشركات وفي غرف المفاوضات، فهم يبنون خطواتهم على سيل من المعلومات المتضاربة غير الدقيقة صعبة التنبؤ والاستشراف، ونتائج أفعالهم تؤثر في الكل.
عندما تكون الظروف معقدة ومتداخلة ومتسارعة، يصبح المطلوب التفكيك والمرونة والسرعة، ولن يكون المخرج الأفضل بالقرب من العشوائية أو التجاهل أو الحدس فقط. خذ مثلا المسؤول الذي يظن أنه واقع في مطب الانتظار الإلزامي وهو يفقد قاعدة عملائه بشكل مستمر أثناء هذه الظروف. أو ذلك الذي يشاهد الموردين الجدد الذين استغلوا التغيير الديناميكي في سلسلة الإمدادات، وهو متشبث بمورديه الذين يصيبهم مزيد من العطب مع مرور كل يوم، أو الذي يعتقد أن الإجراءات الاحترازية الخاصة بمنشأته التي وافق عليها في شهر مارس ستكون مفيدة له في أيار (مايو). إن الأمر يتطلب قدرا عاليا من المرونة وشجاعة اتخاذ القرار والتحديث المستمر للأوضاع والقرارات والتوجهات.
إدارة الأوضاع أثناء الجوائح والأزمات عبارة عن إدارة كثيفة للتوقعات، وتخضع أساسا للاعتبارات العادية نفسها المرتبطة بلعبة المخاطر لكن بشكل متضخم ومتسارع، أكثر ضبابية وأقوى في الأثر. مع أن لعبة انتظار الفترات المالية المقبلة ستكشف بعضا من حجم الأثر، إلا معظم المراقبين يحذرون من أسوأ التوقعات وعالم مختلف وجديد. ولهذا، فالهدف الذي يسعى الكل خلفه اليوم هو البقاء وتخفيف الضرر. تخفيف الضرر ومحاولة البقاء يقومان على إدارة هذه التوقعات بمجهود خرافي وحس عال وصرامة استثنائية، الخروج عن أي من ذلك يجعل من هذه اللعبة الجدية جدا لعبة يسودها الهزل والإهمال، وتكون نتائجها مدمرة. خروج صاحب العمل التجاري من السوق يعني فقدانا للوظائف وخسارة للمكتسبات والاقتصاد. لهذا، يتحمل الجميع مسؤوليات كبرى وفقا لمواقعهم، ومن يلعب في ساحة التوقعات والقرارات يجب أن يلعب وفقا لأفضل ما يتوافر لديه من موارد. عليه أن يستغل كل الفرص التي تتاح له، ويعمل بكل مهنية، ويحرص كل الحرص في قراراته التي ستشوبها الورطات الأخلاقية والقرارات الصعبة، في معركة لم يخترها أحد، ولا يحبها أحد، عنوانها "البقاء للأفضل، الموفق في توقعاته وقرارته".
إنشرها