Author

العلاقة بين سكن العمال .. وسوق العمل

|
لم تكن هناك مفاجأة كبيرة في أن نرى العشرات من العمال لدينا يعيشون في منازل صغيرة جدا لا تتسع لشخصين، وبعضها بلا صرف صحي، ولم يكن من قبيل المفاجأة أيضا أن تكون تلك المجمعات غير الصحية بؤرا لتفشي المرض، بل عديد من الأمراض الأخرى، والسلوكيات غير القانونية والغش التجاري، وإيواء المخالفين لنظام الإقامة. كل ذلك لم يكن مفاجئا لأحد، لكن السؤال، لماذا تأخرنا في معالجة هذه الظاهرة من قبل؟
هناك علاقة واضحة بين طريقة معيشة العمال وبين كثير من التحديات التي نواجهها في سوق العمل ومكافحة البطالة، فمن المسلم به اليوم، أن سوق العمل في السعودية خصوصا، تواجه مستويات مختلفة من العرض، "أي اختلاف الحد الأدنى من الأجر الذي يقبل به العامل"، من حيث إن هناك مستوى لعرض العمال السعوديين، ومستوى لعرض العمال الأجانب. فبينما تشير بعض الإحصائيات، أن الحد الأدنى للأجر الذي يقبل العامل السعودي؛ يصل إلى أربعة آلاف ريال، وهناك من يطالب بأن يكون ستة آلاف ريال، فإن العمال الأجانب قد يقبلون بمستوى بين 600 ريال، أو حتى ألف ريال، وهذا مع وفرة كبيرة في العرض بين الجانبين، خاصة العمال الأجانب. ومن المسلم به أيضا، أن مستوى العرض الذي يقبل به العمال الأجانب يصل إلى الإغراق بمفهومه الاقتصادي البحت، وهو أن يقبل العمال الأجانب في المملكة بأجور تقل عن تلك التي يقبلون بها في بلادهم، فلماذا يحدث ذلك؟ كثير من الدول يصدر لنا فائض العمالة لديه للتخلص من البطالة هناك، ولأن لدينا فائضا أيضا، فإن هذا في مجمله يجعل الأجور تتجه إلى مستويات متدنية، "وهذا ما تفرضه النظرية الاقتصادية". لكن هذا ليس على إطلاقه، فالعمال السعوديون يقبلون بخفض الراتب إلى مستويات تكلفة المعيشة "بعد ذلك يقبل العمال السعوديون بإعانة البطالة والضمان الاجتماعي بدلا عن العمل"، بينما يستطيع العمال الأجانب زيادة التخفيض، لأن تكلفة المعيشة لديهم أقل بكثير، وهنا يتفوق العمال الأجانب، ما يقودنا إلى مفهوم "عدم تماثل تكلفة المعيشة" بين العمال السعوديين والعمال الأجانب "عند المستوى نفسه من الوظائف"، وبما أن أهم عنصر في تكلفة المعيشة، السكن، استطاع العمال الأجانب تطوير تخفيض تكلفة السكن من خلال التجمع في مساكن غير صالحة وبأعداد كبيرة أملا في خفض الإيجار حتى يصل إلى المتر الواحد فقط، وهي حدود هائلة.
لقد ارتكز الحل لتصحيح سوق العمل من خلال رفع تكلفة العمال الأجانب، وذلك أن يدفع صاحب العمل الذي يرغب في استخدام العمالة الأجنبية فرق الراتب، إما على شكل رسوم عمال وإقامة، وإما دفع المقابل المالي، وهذا يجعل تكلفة أجور العمال السعوديين تساوي إجمالي تكلفة العمال الجانب. لكن هذه الطريقة في المعالجة تنقل المشكلة من العرض إلى الطلب، فالحل من خلال فرض الرسوم، يؤثر فقط في تشكيلة العاملين الذين سيختارهم أصحاب العمل، وهو ما يسمى منحنيات السواء Indifferent curves، فمهما كان اختيارهم من العاملين، فإنهم سيحصلون على التكلفة نفسها تقريبا، لذا يختارون البقاء عند المستوى نفسه. لكن هذا لم يعالج مشكلة البطالة التي تهمنا، فكل ما نتج عنه أن أصحاب العمل اختاروا دفع الرسوم للحفاظ على تشكيلة العمال نفسها، والبقاء عند منحنى السواء نفسه، ومن ثم نقل التكلفة للمستهلك، وظل العمال الأجانب يقبلون بأجور أقل ومنافسة أشد. وفي اعتقادي أن الإجابة الرئيسة، وهي في تكلفة المعيشة في المملكة، التي يمثل السكن أهم العناصر فيها. فالعمال الأجانب يتغلبون على هذه التكلفة من خلال مجمعات السكن المشتركة الرخيصة جدا وغير الآمنة وغير الصحية. لذا، قلت في كثير من المقالات، إن دفع العمال الأجانب إلى ممارسة منافسة عادلة مع السعوديين يتطلب فرض المعيشة الصحية والآمنة عليهم، وأن تصبح تكلفتها جزءا من أجورهم، كما هو الحال مع السعوديين.
لعله من الغني عن القول، إن محاولات العمال الأجانب تخفيض تكلفة المعيشة بخفض تكلفة السكن وعدم نقلها إلى الأجور، لا يعني بالضرورة أنها انخفضت فعلا على المستوى الكلي، بل إن الحقيقة شديدة المرارة أنهم استطاعوا نقل تكلفتها الإجمالية إلى الحكومة. فهم من خلال معيشتهم في المساكن الأقل أمنا وصحة، يعرضون أنفسهم والآخرين لمخاطر جمة "كالذي يحدث الآن"، ولمكافحة هذه المخاطر، فإن الدولة تتكبد كثيرا من المصروفات العامة، سواء في النظافة العامة أو الصحة أو محاربة الظواهر السلبية الناتجة عن هذه التجمعات، ومن بينها الغش التجاري وغير ذلك. وهكذا، تصبح الصورة أكثر وضوحا، فإن إجبار العمال الأجانب على مستويات معيشة صحية، واشتراطات أكثر أمنا، سيعيد توزيع تكلفة المعيشة بصورة أكثر عدلا في المجتمع، وهذا بدوره يصحح من منحنى العرض ومنحنيات السواء عند أصحاب العمل. لكن هذا يتطلب أنظمة جديدة، ومن ذلك نشر ما يسمى الأمن الاجتماعي Social Security.
إنشرها