الرأسمالية المتوحشة وكورونا

|

 تتحول الأسواق أو النظام الرأسمالي إلى وحش ينهش في البيئة والصحة والمجتمع والاقتصاد إذا ترك بغير قيود. وعندما تتوحش الرأسمالية تسيء استغلال العمالة والضعفاء والموارد. يخفض توحش الرأسمالية الأجور إلى أدنى مستوى ممكن ويبقي على معدلات البطالة حتى تتدنى أجور العمالة. وينتج عن التوحش تدني معايير عدالة توزيع الثروة والدخل، وارتفاع معدلات الفقر، وزيادة معدلات الجريمة، وانتشار الأمراض والتلوث والإضرار بالبيئة. تقود المبالغة في تدليل المنتجين إلى ظهور شراسة النظام الرأسمالي وإلحاقه الضرر بالإنسانية، وإيقاع الأزمات، والقلاقل، والحروب، والجرائم غير الأخلاقية بشتى أصنافها. لهذا لا بد من تدخل الحكومات لوضع ضوابط لتصرفات الاستغلاليين والمبتزين ومنع تحول العالم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف والحد من شراسة النظام الرأسمالي وضمان العدالة الاجتماعية بين شرائح السكان المختلفة. ولكن يقود الفساد في كثير من الحكومات إلى تحالف مبطن بين بعض منسوبي المؤسسات الحكومية مع الشرسين الرأسماليين ما يولد معضلات كثيرة للمجتمعات والعالم أجمع ومحاباة الأسواق على حساب البشر.

يرجع بعض منتقدي الرأسمالية ظهور فيروس كورونا إلى توحش النظام الرأسمالي وسعيه المستمر إلى تعظيم الأرباح مهما كانت تكاليف وخسائر الغير. وترجح أبرز نظريات ظهور كورونا المستجد إلى أن مصدره بعض الحيوانات المتوحشة في الصين. وقد دفعت الرأسمالية المتوحشة (في الصين وبعض دول العالم) عبر قرون من الزمن إلى ترويج فوائد مزعومة عند استهلاك بعض الحيوانات أو ذبحها في مواقع البيع أو أكل لحومها وهي نيئة بل أكل بعض أجزائها وهي حية. وهناك روايات عن قساوة فظة في التعامل مع هذه الحيوانات وعدم التزام مسوقيها بمعايير صحية معينة عند ذبحها أو استهلاكها وذلك لخفض التكاليف وتحقيق أرباح أكبر. ويقال إن كثيرا من المخالفات الحادثة الآن في الصين ناتج من انتقال الصين إلى الرأسمالية وتفويض القطاع الخاص بإنتاج اللحوم بدلا من الدولة.
واجه النظام الاشتراكي الصيني أوقاتا صعبة في تأمين الغذاء لسكانه في بداية سبعينيات القرن الماضي ما دفع الدولة إلى نقل العمليات الإنتاجية الزراعية للأفراد لمواجهة زيادة الطلب على الغذاء. تمكن الأفراد المتميزون من زيادة الإنتاج بدافع الربح وأبدعوا ما قاد إلى نشأة الشركات ومع مرور الوقت تكونت الاحتكارات والكارتيلات. شجعت الحكومة الشركات لأنها رفعت الإنتاج ووفرت مزيدا من الأغذية للسكان والوظائف في الريف. تركز الإنتاج بداية في الدجاج والخنازير ثم توسع إلى باقي الحيوانات بما فيها الشرسة والغريبة. دفع هذا التوسع المنتجين إلى تربية الحيوانات الغريبة وزيادة إنتاجها في بيئات غير صحية وقاسية ونشأت أسواق موازية غير قانونية لذبح وبيع لحوم الحيوانات المفترسة والغريبة، ما يعتقد أنها بيئة مناسبة لانتشار فيروسات هذه الحيوانات. وقد وجد أن هناك تشابها جينيا كبيرا يفوق 96 في المائة بين فيروس الكورونا المستجد وفيروس معين في الخفافيش. وقد كان كثير ممن أصيبوا بالمرض عند مراحله الأولى من رواد أسواق بيع الحيوانات وبعضهم من أسر غنية.
يعتقد أن الرأسمالية المتوحشة سهلت انتشار المرض في أرجاء العالم، حيث هونت في البداية من خطورة المرض وضغط أصحاب النفوذ على الحكومات لتجنب فرض القيود والحد من التدخل في تدفق وتنقل السلع والأشخاص داخل البلدان وحول العالم. تقاعس بعض الحكومات عن اتخاذ إجراءات حازمة للوقاية من المرض بل دعم بعضها فكرة تحمل الصدمة مدفوعة بنظرية حصانة القطيع والتضحية بحياة الآلاف من الضعفاء وكبار السن حماية للاقتصاد والمصالح الخاصة.
تتهم الرأسمالية الشرسة باستغلال هذا الظرف الطارئ للحصول على مكاسب أو تعويضات غير مستحقة. ويرتفع في الأزمات جشع بعض الشركات والأعمال بمطالبات منمقة ومدعومة ببراهين مزعومة عن خسائر للحصول على دعوم حكومية ضخمة. وقد خصصت دول عديدة أموالا طائلة لدعم الأسواق وقطاعات الأعمال، بينما تصاعدت معدلات البطالة وقد يتعرض جزء كبير من السكان لنقص حاد في الغذاء والمواد الأساسية بسبب ارتفاع معدلات البطالة وخسارة الدخل. ويرى كثيرون ضرورة تركيز الدعم للأسر التي ستعاني كثيرا هذه الجائحة، بدلا من كبار المنتجين الذين استغلوا الأزمة المالية العالمية عام 2008 للحصول على مبالغ هائلة من الحكومات.
من أبرز الممارسات الخاطئة للرأسمالية الجشعة استغلال الأمراض في تحقيق مكاسب وأرباح مبالغ فيها. حيث يستغل بعض الباعة والشركات الظروف القاهرة وتتضاعف أسعار مواد الوقاية من المرض كالكمامات والمطهرات من الأسواق بل تختفي وتظهر أسواق سوداء لها. بل يحاول كثيرون احتكار الأطعمة والمواد الأساسية لحاجة السكان وكذلك الترويج لمنتجات وأدوية خاطئة وخطرة على الناس من أجل تحقيق أرباح فاحشة وسريعة. توجه اتهامات لشركات الأدوية بالضغط من أجل الحصول على منح ودعم لتطوير لقاحات وأدوية بينما تعارض أي تحديد لأسعارها. أما بالنسبة للحكومات فتتوارد أنباء عن قيام دول بتصرفات لا أخلاقية كالاستيلاء على مواد الوقاية والأدوية التي تخص دولا أخرى.
انخفاض نمو الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية خلال الأعوام القليلة الماضية في دول كثيرة وإيلاؤه أهمية غير مناسبة وغياب الأنظمة الصحية أو نقص فاعليتها إحدى نتائج الرأسمالية الشرسة التي تستغل الطلب المرتفع على الرعاية الصحية لتحقيق أرباح فاحشة. توجه انتقادات لحكومات بعدم جاهزية أنظمتها الصحية في مواجهة الوباء، وتجنبها اختبارات الضغط على أنظمة الرعاية الصحية ما أضعفها وجعلها عاجزة عن توفير الأجهزة والمواد والمستلزمات الطبية وقت الحاجة. ولو خصصت حكومات العالم المبالغ التي تدفعها وقت الوباء للرعاية الصحية والأبحاث الطبية والاستعداد للأزمات لكان وضع العالم أفضل بكثير من الآن.

إنشرها