أكبر مؤامرة

|

 يعتقد جزء كبير من البشر أن تنظيمات سرية أو شركات أو أفرادا أو مجموعات من الناس أو الدول أو مؤسساتها تنسج المؤامرات وتتسبب في معظم التغيرات والأحداث العالمية. ولا أحد ينكر أن التآمر موجود بكثرة على المستويات الشخصية والجماعية والمؤسسية والدولية، وأنه مؤثر قوي في الأحداث، ولكن هناك تدليس كثير في روايات المؤامرات ومبالغات قوية في عددها وحجمها وقدرات المتآمرين على تنفيذ خططهم. ويجيد البعض سرد قصص وروايات المؤامرات وتزييف الحقائق لإقناع الناس بتفسيرات خاطئة للأحداث، أو لصرفهم عن الأسباب الحقيقية والتغطية على فاعليها، أو لجذب الانتباه إليهم. وتوظف دول ومؤسسات متخصصين في نسج روايات التآمر واستغلالها لتحقيق أهداف معينة. ويبدع بعض المؤرخين والكُتاب في نسج أدبيات المؤامرات إما عن قناعات خاطئة وإما لنيل الشهرة والمال أو لخدمة أجندات معينة.

تكثر نظريات المؤامرة حول الأحداث العالمية المهمة؛ كالهبوط على القمر، وحقيقة كروية الأرض، ودورانها حول الشمس، أو أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في نيويورك، أو اغتيال شخصيات مهمة مثل كنيدي. وتصدق نسبة كبيرة من سكان الأرض بوجود مجالس سرية مكونة من الشركات والمصارف الكبرى أو بعض المكونات الاجتماعية أو الدينية تقف وراء أعمال الشر في العالم أو في دولهم. ولا يملك ناسجو نظريات المؤامرة عادة إثباتات وأدلة مقنعة؛ بل يحاولون إقناع العامة بتصورات مغلوطة وبيانات مختلقة وسلسلة أحداث تاريخية مشكوك في صحتها، مستفيدين من ميل أغلبية البشر إلى عدم التحقق والتثبت من دقة وصدق الأخبار والمعلومات المزيفة. وعلى الرغم من الأدلة المفبركة والاستنتاجات الواهية إلا أن كثيرين يصدقون روايات المؤامرات لقناعاتهم المسبقة بوجود مجموعات شريرة وأصحاب مصالح تتضامن لنسج المؤامرات. ووجدت دراسة بريطانية أن جزءا كبيرا من الشعب الإنجليزي يصدق نظرية وقوف مجموعة معينة خلف الأحداث العالمية، وينطبق الحال على معظم شعوب العالم.
كباقي أحداث العالم المهمة، قاد اجتياح كورونا المستجد مناطق العالم، إلى نسج نظريات المؤامرة حوله، وأن ولادته مدبرة من أمريكا أو الصين أو جهات أخرى خاصة أو عامة. وساعد عدم توافر معلومات وحقائق ثابتة كافية حول المرض، ووجود وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام الدعائي على نشر قصص المؤامرات والأخبار الكاذبة حول المرض وعلاجاته، حتى طغت على الحقائق لدى معظم الناس حول العالم. وعززت روايات المؤامرات والأخبار الزائفة حول المرض مخاوف وهلع الناس، ودفعت كثيرا منهم إلى تصرفات غير عقلانية. ومن المؤسف أن هناك بعض المثقفين ومدعي العلم ممن يدعمون فرضيات التآمر المفبركة في بزوغ مرض كورونا المستجد.
هناك قصص كثيرة حول مصدر المرض وعلاجاته والمستفيدين من انتشاره، وتنسج مؤامرات لاستغلال انتشار المرض لتحقيق منافع معينة أو الإضرار بالأعداء. وورد مثلا أن مصدر المرض هو أحد مختبرات الأسلحة البيولوجية في مدينة يوهان - التي بدأ بها المرض - إما عن طريق الخطأ وإما وفق مؤامرة لبيع اللقاحات والأدوية الصينية للعالم وتحقيق أرباح خيالية. ودعم انتشار هذه الأسطورة كثير من مصادر الأخبار الغربية المفبركة. في المقابل، ادعى بعض الصينيين أن مصدر المرض إيطاليا أو أحد المختبرات الأمريكية، وأن الهدف تدمير اقتصاد الصين. وفي داخل الولايات المتحدة، تم نسج كثير من قصص المؤامرات حول المرض، وتذكر إحداها أن هناك مؤامرة لتهويل آثاره على الرغم من كون خطورة المرض مشابهة للإنفلونزا الموسمية، وأن الهدف من المؤامرة الإساءة إلى الرئيس الأمريكي أو فرض حكم عسكري في الدولة. بينما تذكر أخرى، أن الهدف من المرض بيع تطعيماته لمصلحة بيل جيتس. وذهب البعض إلى حد اعتقاد أنها مؤامرة يهودية لتعزيز نفوذهم حول العالم. وكثرت نظريات المؤامرة حول المرض ولكن لم نسمع سابقا عن نظريات مؤامرات حول أمراض كورونا السابقة المتمثلة في مرض سارس وكورونا الشرق الأوسط، وقد يكون هذا راجعا إلى انتشارهما في منطقة جغرافية محدودة.
لا يوجد أي دليل حقيقي وثابت لكل نظريات التآمر حول مصدر مرض كورونا المستجد، كما ينبغي تأكيد أن الخالق - سبحانه - هو الموجد والخالق للمرض والقادر على الشفاء. وما زالت قدرات الإنسان عاجزة عن خلق أي فيروس والتحكم فيه. وعلى مدعي نظريات مؤامرات نشوء الفيروس إثبات نظرياتهم وإلا فإن كل مدعيها مدلسون وكاذبون. ولو كان الإنسان قادرا على إيجاد فيروس لكان أجدر به أن يجد دواء له، وأن يتحكم في حركته وانتشاره. إضافة إلى ذلك، فإن إطلاق فيروس من دولة أجنبية هو بمنزلة إعلان حرب على الدولة المتأثرة، ولا أعتقد أن الصين أو الولايات المتحدة تريدان شن حرب كونية لتدمير الآخر، فهما أكثر كياسة من ارتكاب حماقة ستؤدي إلى فناء البشرية. ولو بدأ أي من الدولتين نشر الفيروس فلماذا لم تأخذا الاحتياطات اللازمة لحماية نفسيهما.
إن أكبر مؤامرة إنسانية تعانيها البشرية هي نظرية المؤامرة ذاتها، حيث تشوّه التاريخ وتنسب المساوئ، وتحمّل المسؤوليات لغير مرتكبيها، كما يتم صرف انتباه المتأثرين بالكوارث إلى أسباب غير حقيقية، ودعم أو الإساءة لشخصيات أو كيانات معينة، وترويج أفكار ومبادئ هدامة. ونلاحظ في منطقتنا كثرة الاعتقاد بالمؤامرات وتصديقها. ولو دقق الناس والمختصون في معظم هذه النظريات لوجدوا أنها لا أساس لها، وأنها مجرد محاولة للتخلص من المسؤوليات وإلقاء اللوم على الآخرين. حتى لو كانت بعض المؤامرات حقيقية؛ فمن واجب الدول والأفراد التصدي لها وكشفها وإظهار الحقائق. وتستطيع الدول المنظمة والقوية التصدي لكل المؤامرات وإحباطها في مهدها.

إنشرها