«كورونا» دروس بثمن باهظ

|

العالم بأسره في أزمة اقتصادية قوية، هذا واضح جدا، وتوقعي أن يحل كساد عظيم هذا العام، لم يسبق له مثيل عبر عشرات الأعوام. ذلك أن حركة كلا الطرفين المشتري والبائع منخفضة كثيرا؛ ما يعني ضعفا ملموسا في العرض والطلب. والكلام عن الوضع العام والاقتصاد بعمومه، وليس عن مشترين أو بائعين أو نشاط أو سلع أو دولة بعينها. سيبدأ التعافي في وقت متأخر من هذا العام، إذا شاء الله، زوال فيروس كورونا في الأسابيع المقبلة. وإذا حدث ذلك، فإن رجوع الأمور إلى نصابها يتطلب وقتا في تقديري بين عام إلى عامين بعد زوال الفيروس. واستندت في هذا التقدير على مراجعة أوضاع وحوادث سابقة. وندعوه -سبحانه- أن يكلل الجهود بالتوفيق والنجاح. الحركة عنصر أساس في معيشة البشر. وطالما أن الفيروس قيد حركة الناس، فهذا يعني تبعا تقييد حركة الاقتصاد. وتقييد حركة الاقتصاد تعني تبعا إغلاق منشآت وزيادة عطالة وتسريح عاملين، وضعف الدخول والأعمال وزيادة الفقر بين البشر. كل أسبوع يمر يفقد ملايين من البشر في الدول وظائفهم أو تنخفض دخولهم كثيرا. كل أسبوع يمر تخسر أو تغلق عشرات الآلاف من المنشآت في الدول. ويتركز هذا الضرر في المنشآت الصغيرة وبعض المنشآت الكبيرة. بينت الأيام السابقة، أن بذل أقصى ما يمكن للحد من تفشي الفيروسات والأمراض، أهم من كمية ما ينفق من المال على الصحة. ما يدعم هذا الكلام، أن الإنفاق على الصحة بالنسبة للناتج المحلي في دول الغرب أعلى بكثير من الإنفاق في سنغافورة وكوريا الجنوبية، مثلا، وهما تشهدان نسبة أقل في إصابات ووفيات فيروس كورونا، مقارنة بدول غربية. كتبت تقارير كثيرة في تفسير وسبب هذه المفارقة. مفارقة كون عدد الإصابات في انخفاض أو على الأقل ليست في زيادة حادة في دول آسيوية، بينما هي على العكس في دول غربية، إذ تشهد زيادات حادة. من قراءاتي في الموضوع؛ ترجح لدي سببان، البنية السياسية، والغرور. وهنا أتحدث فقط عن الغرور في الدول الغربية، فهي أكثر تقدما في مجالات الحياة من عامة الدول الأخرى. وتبعا، أصاب كثيرين غرور؛ كون بلدانهم في وضع صحي متقدم، ومن ثم توهموا أن الخطر عليهم بسيط، مقارنة بالصين مثلا. ونحن نرى بأنفسنا النظرة الدونية من إعلام ومثقفي وعموم مجتمعات الغرب، لغالب الدول الأخرى من جهة الديمقراطية وحقوق الإنسان والبناء الصحي والمادي. والله -سبحانه- يقول عن البشر "كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى". والمقصود غالب البشر، فأهل التقوى والإيمان لا يطغون. اللهم اجعلنا منهم. بينما مرت دول ككوريا الجنوبية قبل أعوام بأزمة، لم تحسن إدارتها؛ فتعلمت من أخطائها. في أثناء وجود مواطن كوري في بعض دول الخليج قبل بضعة أعوام، أصيب بما يعرف بفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية MERS - COV، وأبلغت منظمة الصحة العالمية بالحدث. وحسب موقع المنظمة، أصيب قبل بضعة أعوام نحو ألفين من سكان الشرق الأوسط؛ مات منهم نحو 600. رجع المريض الكوري إلى بلاده للاستشفاء لكنه أعدى كثيرين، تعلمت الحكومة الكورية درسا قاسيا وقتها، استفادت منه في الأزمة الصحية الحالية. سرعة التعافي الاقتصادي والتوظيف، تعتمد على عوامل أهمها مدة الإغلاق أو التقييد للأسواق وحركة الناس. تأثير تقييد لأسابيع قليلة أقل طبعا من تأثير تقييد لشهور، لكن هذا لا يغير من أولوية، أن سلامة البشر أهم؛ ما يعني تحمل ضرر مقابل منع ضرر أكبر. وهذا نفهمه من قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر في سورة الكهف. فقد خرق الخضر السفينة وهذا ضرر. لكن الهدف تلافي الوقوع في ضرر أكبر وهو مصادرة السفينة السليمة. وهي نقطة خفيت عن موسى-عليه السلام-، فتسرع في انتقاد الخضر. لكنه - عليه السلام - غير مكابر؛ بل وقف عند حدود علمه. بخلاف كثيرين، فإننا نسمع نقاشات وتعليقات كثيرة، من أشخاص علمهم بسيط يناقشون ويجادلون أو يعلقون. لكنهم -مع الأسف- يناقشون بكبر، متجاهلين ضعفهم العلمي ومعه العملي. وبخصوص الدولار، فقد شهد قفزات في سعر صرفه. لماذا؟ نظرا إلى أن الظروف الحالية جعلت منشآت وجهات كثيرة في العالم مندفعة للحصول على كميات كبيرة من الدولارات لتمويل احتياجات طارئة بكميات هائلة. ومعروف الدور المحوري للدولار في التبادل التجاري عالميا. من جانب آخر، صدمات العرض والطلب خفضت الأسعار، كما نرى في النفط وغيره. وانخفاض الأسعار يدفع أصحاب المال إلى الابتعاد قدر المستطاع وحسب ما تسمح الظروف الابتعاد عن الأصول الأكثر مخاطرة، والسعي نحو أصول أكثر أمانا. وللموضوع تفاصيل أخرى يعرفها أهل الاختصاص فيها. من جهة ثالثة، انخفاض حركة البيع والشراء، يعقبها انخفاض السيولة. وهذا يدفع كثير من المنشآت التجارية إلى التوسع في طلب تسهيلات تمويلية. وهذا ما يفسر تحرك الحكومات في الدول نحو تأمين سيولة أكثر في الأسواق. نسأله -سبحانه- أن يردنا إليه ردا جميلا ويرفع عنا بلاء "كورونا".

إنشرها