المتميزون في صد الوباء

|

 في وسط ارتفاع المخاوف والهلع بين سكان العالم من وباء كورونا هناك بوارق أمل متعددة بتعدي هذه الأزمة. ومن أبرز بوادر انقشاع معضلة الداء العالمي التجارب المشجعة لعدد من الدول الآسيوية في التصدي له. وتشير تجارب هذه الدول العملية -حتى الآن- إلى تحقيق نجاحات محسوسة في الحد من اجتياح وباء كورونا ديارها وخفض آثاره إلى مستويات متدنية. وتمكنت سنغافورة وتايوان وهونج كونج (منطقة صينية تتمتع باستقلال داخلي كبير) من خفض عدد الحالات والوفيات إلى مستويات لا تكاد تُذكر على الرغم من تأثرها في وقت مبكر وارتباطاتها القوية وعلاقاتها الاقتصادية المتينة مع الصين مصدر المرض.

جاء خفض هذه الدول خسائر المرض نتيجة عوامل عدة؛ لعل من أبرزها التجارب المريرة المستخلصة التي مرت بها مع مرض "سارس". واستفادت هذه الدول من التجارب باتخاذ إجراءات استباقية وحازمة في وقت مبكر جدا. إضافة إلى ذلك اكتسبت الجهات المسؤولة -خصوصا الصحية- ومسؤولو هذه الدول خبرة وكفاءة في إدارة أزمات الأوبئة، من خلال تنفيذ السياسات والإجراءات المناسبة بالسرعة والكفاءة المطلوبة وفي وقت مبكر قبل استفحال انتشار المرض. وعلّمت التجارب الماضية هذه الدول أساسيات وقف اجتياح هذه الأمراض وعوّدت المجتمع على القبول والامتثال لقيود الوقاية وتعليماتها التي تبدو قاسية ومزعجة لكثير من الناس.
أخذت الدول الثلاث قضية المرض بمنتهى الجدية منذ البداية وقبل تحذيرات منظمة الصحة العالمية. وتعد سنغافورة أفضل الدول أداءً في التصدي للمرض، وامتدحت أداءها منظمة الصحة العالمية وشجعت دول العالم على الاقتداء بها. وتمتلك سنغافورة منظومة صحية عامة من الأفضل على مستوى العالم، كما تعاملت حكومتها مع المرض بمنتهى المسؤولية والحرفية. وأوضحت الحكومة السنغافورية لشعبها ضرورة التعود على تغيرات الحياة التي تسبب فيها المرض، وحتمية التقيد بمعايير السلامة الجديدة لفترة من الزمن؛ قد تطول إلى أكثر من عام. وتكثف حكومة سنغافورة تسريع الاستجابة لمعالجة الحالات المرضية، وطمأنة الناس وزيادة شعور العامة باستعدادها لبذل أقصى درجات الحماية الممكنة.
عانت سنغافورة مرض "سارس" الذي ضرب الصين قبل  أعوام عدة، لكنها اكتسبت خبرات وتجارب ساعدتها على وقف زحف "كورونا". ومن أبرز ما قامت به سنغافورة الاستشعار القوي للأوبئة والتحرك السريع لمواجهتها، حيث تم منع أي شخص يعاني ارتفاع الحرارة من دخول البلاد برا وجوا وبحرا في وقت مبكر جدا. كما رفعت مستويات النظافة والتعقيم في كل مكان، وكوّنت جيشا لتعبئة الأقنعة ووسائل الوقاية ووزعتها بالمجان على سكان البلاد. إضافة إلى ذلك، تم تسريع نقل المصابين إلى المستشفيات والاتصال بجميع مَن تواصلوا معهم وفحصهم للتأكد من خلوهم من المرض، ووفرت الدولة فحوص كورونا بالمجان لكل المصابين بالإنفلونزا والنزلات الشعبية. وتحملت الحكومة تكاليف الفحوص وحاولت طمأنة الناس بعدم الخوف من العلاج وتكاليفه.
لم تقم الحكومة السنغافورية بعمليات إغلاق المدن أو إيقاف الدراسة؛ لأنها استطاعت السيطرة حتى الآن على المرض، لكنها مستعدة للقيام بذلك في حالة زيادة انتشار المرض. وهي تخطط منذ فترة للقيام بالخطوات الضرورية؛ للحد من التجمع وزيادة مسافات التواصل الاجتماعي. بالنسبة للاقتصاد طبعا ضخت الدولة أربعة مليارات دولار الشهر الماضي؛ للحد من الآثار السلبية في الاقتصاد، وخصوصا القطاعات المتضررة؛ كالفنادق والطيران حتى العائلات والأفراد. من الناحية النفسية تعاملت الحكومة مع مخاوف الناس، وأكدت قضية توافر السلع الأساسية، وشجعت على نشر الهدوء والمسؤولية خلال المجتمع، ومنعت زيادة أسعار المواد الضرورية. وساند المجتمع الدولة من خلال التحلي بمرونة كبيرة في التعامل مع الأوضاع المتغيرة. ولخص رئيس الوزراء الفرق بين سنغافورة والدول الأخرى بقوة الثقة بين فئات المجتمع وبين المجتمع والحكومة، وأنهم يواجهون المخاطر بشكل جماعي ولا يتخلون عن أي شخص.
أما تايوان وهونج كونج، فقد اتخذتا إجراءات وقائية مشابهة في وقت مبكر في منتصف كانون الثاني (يناير)، وركزتا على خلو القادمين من ووهان من أي أعراض مرضية حتى قبل تأكد الصين أن المرض ينتشر عن طريق البشر. وضحت الدول الثلاث بكثير من مصالحها وفرضت قيودا على القادمين من الصين في بداية شهر شباط (فبراير) لحماية مواطنيها على الرغم من اتفاقيات منظمة الصحة العالمية غير المجازة في ذلك الوقت. وعموما استعدت الدول الثلاث بشكل جيد للتعامل مع الوضع منذ أعوام؛ حيث أنشأت مراكز للسيطرة، ورفعت استعدادات المنظومات الصحية، ووضعت السياسات والإجراءات اللازمة قبل انتشار الأمراض المعدية. ولعل المنظومات الصحية الكفؤة والمؤهلة جيدا بالكوادر الماهرة والكافية والتجهيزات الطبية الحديثة من أبرز أسباب نجاح هذه الدول في السيطرة على الداء. وتثبت التجارب مرارا وتكرارا أن الدول التي لديها منظومات صحية قوية ستكون في وضع أفضل للتعامل مع أي وباء وحالات طارئة.
التزمت الدول الثلاث بتطبيق متطلبات السلامة الأخرى؛ كحث الناس على التباعد الاجتماعي أو زيادة المسافات بين الأفراد، وكذلك منعت التجمعات على قدر الإمكان. كما استخدمت التواصل الفعال مع الجمهور من خلال الشفافية والإعلان السريع عن الأوضاع بأقصى درجات الصدق والأمانة الممكنة، وذلك لكسب ثقة الناس وحثهم على الحذر واليقظة، ولكن من دون إثارة الرعب والخوف المبالغ فيه الذي له آثار وخيمة في الصحة وفي الاقتصاد ومناحي الحياة كافة.

إنشرها