ما قبل «كورونا» وبعدها

|

 اليوم يصدق القول، بوضوح، إن العالم أصبح قرية صغيرة، نتيجة تطور وسائل التواصل بين أجزاء الكرة الأرضية، فقد أصبح العالم يتأثر بأي حدث بدرجة أكبر، وينتقل المرض من مكان إلى آخر بسرعة كبيرة، على العكس مما كان عليه الحال في الماضي، عندما كان انتشار الطاعون، في الصين مثلا، لا يؤثر تأثيرا كبيرا في أجزاء العالم البعيدة.

قفزات استخدام التقنية في حياتنا ازدادت وتيرتها مع انتشار فيروس كورونا في جميع مجالات الحياة، وخاصة في التعليم من بُعد، والأعمال، وكذلك التجارة الإلكترونية المحلية. لقد كان التقدم في هذه المجالات سريعا، لكنه أصبح أسرع بكثير، نتيجة شعور كثيرين بضرورة استخدام تقنيات التواصل والاضطرار إلى الاستفادة منها. فمن كان يصدق أن يتجه جميع طلاب الجامعات في المملكة وفي معظم دول العالم إلى التعليم من بُعد في غضون أيام فقط. لم يكن لدى الجميع أي وقت أو فرصة للتردد أو التسويف. وبالمثل، تحول العمل أو جزء منه في كثير من الشركات والجهات الحكومية إلى نمط العمل من بُعد. وبادرت الأسواق الكبيرة بتوصيل طلبات الأسر إلى المنازل مجانا، نتيجة النداءات بالبقاء في المنازل من أجل الحد من انتشار مرض كورونا، وهذه التغيرات ستعزز التسوق الإلكتروني، وستزيد من تقبل كثيرين هذا النمط من التسوق، طمعا في توفير الوقت والجهد، حتى بعد السيطرة على مرض كورونا، وعودة الحياة إلى طبيعتها.
لا شك أن التعليم وأداء الأعمال وكذلك التسوق قبل «كورونا» وبعدها سيكون مختلفا إلى الأبد. ففي مجال التعليم، سيرتفع الإقبال على برامج التعليم من بُعد؛ حيث يكون التعليم الإلكتروني أساسيا في بعض المؤسسات ومساندا في جميعها، ولن تخلو مؤسسة تعليمية من الاستعانة بتقنيات التعليم من بُعد في  مراحل التعليم كافة؛ ما سيسهل على الآباء والأمهات متابعة تعليم أبنائهم وتعزيز العملية التعليمية في مراحل التعليم العام. وفي التعليم الجامعي، أصبح استخدام التعليم من بُعد إجباريا خلال أزمة «كورونا»، وسيبقى أساسيا في بعض البرامج ومكملا في بعضها الآخر بعد عودة الحياة إلى طبيعتها، ونتيجة لذلك سيزداد عدد الملتحقين بالتعليم الجامعي مع تطوير تقنيات التعليم من بُعد، وتحسين آليات أداء الاختبارات، ومن ثم سيسهم في تخفيض التكاليف التعليمية على الأسر خصوصا، وعلى المؤسسات والمجتمع عموما.
وبالمثل، فإن أداء الأعمال من بُعد في كثير من الشركات سيصبح مقبولا ومكملا للحضور إلى مقار الأعمال؛ ما سيرفع من إنتاجية الموظف، ويوفر الراحة للموظفين الذين لا يستطيعون الحضور إلى مقار أعمالهم لوعكة صحية أو لظروف طارئة أو غير طارئة؛ ما سيخفف الازدحام المروري والتلوث في المدن، ويقلل المساحات المطلوبة لمكاتب الأعمال والشركات. وهذا سيفتح آفاقا واسعة لعمل كثير من الناس الذين تجبرهم ظروفهم على البقاء في المنزل.  
 إلى جانب هذه النتائج الإيجابية، يبرز التساؤل عن كيفية تخفيف آثار هذه الأزمة في الشركات والمؤسسات الخاصة خلال فترة تعليق التعليم والفعاليات والأنشطة المختلفة. في الحقيقة، يمكن تخفيف تأثير أزمة «كورونا» من خلال مبادرة البنوك وملاك العقارات بتأجيل سداد الأقساط الشهرية من قبل المدينين من الأفراد والشركات، كما ينبغي أن تبادر أمانات المدن إلى إعفاء المستثمرين من الرسوم أو تأجيلها.  
وأخيرا، هناك ضرورة للاهتمام بالأمن الوبائي، والرعاية الصحية؛ لتصبح من الأولويات الوطنية في خطط التنمية وبرامج وزارة الصحة، إلى جانب دعم البحوث في مجال الأمراض الوبائية، وكذلك تشجيع التعليم والعمل من بُعد؛ ما سيوفر كثيرا على المؤسسات التعليمية وكذلك على الشركات، ويؤدي إلى زيادة مشاركة المرأة في قوة العمل التي تعد أحد أهداف "رؤية المملكة 2030".           

إنشرها