الاقتصاد البنفسجي

|
كاتب ومستشار اقتصادي
د. عبدالله بن ربيعان
بالتأكيد أنك سمعت عزيزي القارئ عن الاقتصاد الأسود، الذي يشير إلى النشاط غير الرسمي أو الممنوع في أي دولة، كما أنك بالتأكيد سمعت عن الاقتصاد الأخضر وهو التحول بالأنشطة الاقتصادية بشكل صديق للبيئة وقلة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وقد تكون كذلك سمعت عن الاقتصاد الأزرق، وهو ما يتعلق بالإدارة الجيدة للبحار والمحيطات ويضمن عدم العبث بها بما يحفظ حقوق الأجيال الحالية والمقبلة. ولكن ما الاقتصاد البنفسجي؟
الاقتصاد البنفسجي Purple Economy حقل جديد من حقول علم الاقتصاد يعنى بإضفاء الطابع الإنساني على العولمة والاقتصاد من خلال استخدام الثقافة كمساعد على ترسيخ أبعاد التنمية المستدامة، أي أنه تحالف بين الاقتصاد والثقافة للتوفيق بين التنمية الاقتصادية والاستدامة.
ومصطلح الاقتصاد البنفسجي ظهر أول مرة في فرنسا في الوثيقة التي تم نشرها في صحيفة "لوموند Le Monde " من قبل جمعية "ديفيرسوم" في تنظيمها لأول منتدى دولي للاقتصاد البنفسجي، برعاية كل من اليونسكو والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية. وللحقيقة، فقد أعجبني كثيرا الربط بين الثقافة والتنمية الاقتصادية، وهي أول مرة يتم التطرق فيها لهذه العلاقة من خلال مصطلح الاقتصاد البنفسجي حسب علمي، وما أنا متأكد منه شخصيا أن هناك علاقة قوية بين الاقتصاد والثقافة، وأن أحدهما يقود إلى الآخر حتى وإن كان يصعب تحديد أيهما المتغير التابع وأيهما المتغير المستقل، ولكن المؤكد أن الثقافة المرتفعة لأفراد المجتمع تقود إلى تنمية اقتصادية مرتفعة، والعكس صحيح أيضا، حيث يقود الاقتصاد النامي إلى رفع مستوى الثقافة لدى أفراد المجتمع.
في السعودية، وافق مجلس الوزراء قبل شهر تقريبا على استحداث 11 هيئة جديدة تتبع لوزارة الثقافة وتعنى جميعها بالشأن الثقافي، وهذه الهيئات هي: هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأزياء، وهيئة الأفلام، وهيئة التراث، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة الفنون البصرية، وهيئة المتاحف، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة المكتبات، وهيئة الموسيقى، وهيئة فنون الطهي.
ولأن الاقتصاد البنفسجي يعني أن تكون الثقافة هي القوة الناعمة ذات الأثر البالغ والمتغلغل في تنمية الاقتصاد، فالمتوقع أن تتعدى أدوار هذه الهيئات الشأن الثقافي إلى البعد الاقتصادي أيضا. والواضح أن إنشاء هذه الهيئات داعم للأنشطة وللأشخاص كما أنها داعم مباشر لقطاع الخدمات الاقتصادية أيضا.
وما أود أن أشير إليه هنا هو أنه لا يمكن عزل الثقافة عن الاقتصاد، فطريق التنمية الاقتصادية هو طريق تنمية الثقافة نفسه، ولا أحد يجادل أن المجتمعات المتقدمة في التنمية الاقتصادية وعلى رأسها أمريكا متقدمة ومتفوقة أيضا في جوانب الثقافة كالمسرح والأفلام والتلفزيون والمكتبات والموسيقى وغيرها. وعلى العكس، فالدول المتخلقة تنمويا متخلفة أيضا في ثقافتها وفنونها ومسرحها وآدابها إلا من قليل شاذ؛ والشاذ لا حكم له.
في الختام، وحتى لو فصلنا بين الثقافة كقطاع اقتصادي وبين الاقتصاد البنفسجي كحقل اقتصادي جديد، إلا أن الأخير يعد بمنزلة تحالف بين الاقتصاد والثقافة لإضفاء الطابع الإنساني المنطلق من الثقافة على العولمة ومن أجل التوفيق بين التنمية الاقتصادية والاستدامة، التي تعني-حسب فهمي - انعكاس الثقافة على استخدام الموارد وعلى الإنتاجية وعلى طرق العمل وعلى محاربة الهدر وعلى حفظ حقوق الأجيال المقبلة، وهي كلها منافع تعود على الاقتصاد جراء ارتفاع مستوى ثقافة المجتمع.
إنشرها