قبل لوم الموظفين

|


عندما يخطئ أو يقصر أحد الموظفين فإن الممارسات الحالية تقول لنا: تجاوز عنه إن استطعت "وقفل الموضوع"، أو قم بلفت انتباهه شفويا لكن لا تترك أثرا لأن تدوين الخطأ وتوثيقه قد يجر مصائب الجميع في غنى عنها، والخيار الثالث، إن لم تقدر على ذلك بسبب أن هناك من يراقبك أو ينتظر ردة فعلك الرسمية، ضح بالموظف واستخدمه درسا واضحا للآخرين "وقفل الموضوع". الأمثلة كثيرة لكن أستشهد بمسؤول سابق أصدر قرارا خلال ست أو سبع ساعات من حادثة إهمال تم تصويرها بالجوال وقام بفصل مجموعة من صغار الموظفين مباشرة؛ لم تكن في مدينتهم نفسها ولم يتسن له القيام بأي تحقيق كاف أو ما يدل على أنه فهم المشكلة وأبعادها ومسبباتها.
لماذا يكون "المخطئ" في كثير من الحالات مجرد ضحية؟ السبب بسيط، هو أن السلوك الجيد المتوقع لا يحدث إلا وفق شروط معينة، مثل صنع السياق والظروف المساعدة، والإدارة المتزنة والعادلة، والتدريب والإرشاد الملائم، والمؤدي الجيد؛ المؤدي هنا هو الموظف. حين يخرج السلوك عن المسار المقبول، في شكل خلل أو خطأ أو تجاوز أو تقصير، ينبغي للمسؤول مراجعة مثل هذه العناصر وتقييم الموقف بشكل جيد، ربما يجد أنه يتحمل بنفسه جزءا كبيرا من المسؤولية، وربما وجد أن البيئة التي صنعت على مدى أعوام هي التي حفزت أداء الموظف ليخرج عن المسار، سيكون من السهل له وقتها أن يعرف إذا كان الموظف قام بذلك الخلل في ظروف مثالية لم يستفد منها متعمدا الإهمال والتقصير. وهذا أمر نادر جدا، لأن الموظف متواضع الإمكانات يصعب وجوده في المكان الممتاز، لو كان المكان متماسكا منضبطا، فهو على الأرجح لن يوصل متدني الجودة ضعيف الأداء إلى موقع يعرض الأداء العام للخلل.
ما الاعتبارات التي ينبغي النظر إليها قبل توجيه اللوم إلى "فرد" مستقل في منظومة كبيرة من الأفراد والإجراءات والأنظمة؟ أولا، يجب الإقرار والتأكد أن هناك نسبة من الخطأ أكيدة الحدوث، لو سلمت إحدى منظومات العمل بسبب دقتها أو جودتها لن تسلم جميع المنظومات، لو تم تصميم الأنظمة والإجراءات بشكل لا يقبل الخروج عن المسار فإن العنصر البشري قد يخرج عن المسار في أي لحظة، وهذا أمر يستوجب القبول والفهم، والتعامل معه على هذا الأساس. لذا يجر هذا الاعتبار إلى السؤال: إلى أي حد نقبل الخطأ؟ أو تحديدا: كيف نتعامل مع الخطأ؟
ثانيا، هناك مجموعة من الأسباب الداخلية التي تسبب حدوث الأخطاء، مثل قدرات الموظفين وضعف الإجراءات وفشل الأنظمة وتأخر الصيانة. وهناك أسباب خارجية مثل أزمات الأسواق والكوارث الطبيعية والتقلبات السياسية التي تؤثر بشكل أو بآخر. من الأسباب الداخلية ثقافة قبول الخطأ وطريقة التعامل معه، هناك من يحمي المخطئين ويسمح بالتعلم من الأخطاء وهناك من يهاجم المخطئين ويسمح بتراكم أخطائهم إذ ينشر بمقاومته الساذجة ممارسات جمع المصائب تحت السجاد. أعتقد أن ثقافة الفريق القيادي هي أهم ما يمكن أن يؤثر في فرصة إدارة الخطأ، سلبا أو إيجابا. وعندما نتحدث عن ثقافة الفريق القيادي فنحن نتحدث تحديدا عن الرئيس التنفيذي ومعاونيه الرئيسين، خصوصا من ناحية القدرات التنظيمية ومدى معرفتهم بالأساليب الحديثة لقيادة المنظمات، وتحديدا أدوات إدارة المخاطر التشغيلية وأساليب التعلم الداخلية ورصد وتفنيد الممارسات وتوثيقها.
لا يعفي دور الرئيس التنفيذي المحوري الأطراف الأخرى التي تمكنه من إدارة أعماله، خصوصا مجلس المديرين واللجان ذات العلاقة، لأن شبكة الحماية ممثلة فيهم. لو كانت التضحية بالموظفين تتم لأن الرئيس التنفيذي نائم "أي، مهمل حسن النية" أو لئيم "وهذا مجرم سيئ النية" فلا يوجد أمل بعد ذلك إلا في الجهاز الإشرافي المسؤول، أما إذا كان هذا الجهاز الإشرافي نائما كذلك فتلك مصيبة المصائب. لهذا توصي المتطلبات التنظيمية بتطوير الحوكمة بشكل مستمر، ومن ذلك العمل على معرفة أفضل الممارسات المرتبطة بإدارة الخطأ، لأنها مكون رئيس من إدارة الأداء وهذا أساس ما تقوم عليه أي إدارة.
إذا قامت الإدارة بتجاهل أساسيات إدارة المخاطر التشغيلية، أو حاولت أن تختصر في معالجة الأخطاء، أو تسرعت في حماية صورتها على حساب موظفيها، أو افترضت المعرفة بشيء تجهله، أو قللت أهمية التعلم من الأخطاء، أو لم تنتبه إلى موطن الخلل الحقيقي، ولم تقم على سبيل المثال بتقييم الإجراءات وتحسينها بشكل مستمر وصادق، ستقوم في نهاية الأمر بمعالجة الأخطاء بطريقة خاطئة، لن تتعلم، ولن تعالج الخطأ بشكل حقيقي، ولن تتمكن من تحسين ما تقوم به، وستقوم بالتعامل مع الموظف بشكل غير عادل، ما يجعلها تخسر - بكل بساطة - كل شيء.

إنشرها