معايير الاستدامة الوطنية

|

 أصدرت وزارة التجارة بالتعاون من "كينتون" للاستشارات KENTUNE consultancy شركة استشارات في دبي؛ لتأسيس معايير وطنية للاستدامة. هذا العمود مستوحى من هذا المقترح. المقترح جاء في سبيل أحد البرامج الاستراتيجية، لتحقيق الاستدامة في الاقتصاد الوطني تمشيا مع أهداف رؤية المملكة 2030، وفي هذا الإطار إحدى المبادرات التي تنص على قيام الشركات بإصدار تقارير الاستدامة. إطاريا بدأت فكرة ومفهوم المسؤولية الاجتماعية تتبلور عالميا في مفهوم جديد نتيجة الأزمات المالية المتعاقبة، والمطالب الاجتماعية نحو البيئة وتفاقم الفروق في الأجر بين الإدارة والعاملين، والمصالح المحسوبة مثل مصالح الملاك وغير المحسوبة مثل مصالح المجتمع، ودور الحكومة المحلية والمركزية. العدسة الواسعة تقول، إن المسؤولية الاجتماعية تقع على عواتق المستثمرين -ملاك الأسهم والشركات والعاملين والمستهلكين والمنافسين والوسطاء وكل من له علاقة مباشرة وغير مباشرة مجتمعية. التوجه للاستدامة بدأ يأخذ مستوى من الجدية حين شرع بعض بيوت المال مثل بلاکروك BlackRock، أكبر مدير محافظ في العالم، التركيز على تفعيل وتطبيق متطلبات الاستدامة مثل، توظيف المرأة والأقليات ودورهما في مجالس الإدارات والبيئة وبعض أنواع الأعمال. معايير الأعمال عادة أكثر شمولية لكن هناك درجة من التطابق بين هذه المعايير ومتطلبات بيوت المال. تهدف الخطة إلى تحفيز الشركات لتبني معايير الاستدامة، من خلال جدول زمني مدته من ثلاثة إلى أربعة أعوام، موزعة على ثلاث مراحل تبدأ بتقييم الوضع الراهن، وتعظیم ما فيه من عناصر حوكمة تصب في اتجاه الاستدامة، ومن ثم مرحلة انتقالية لتكوين رأي موحد والتهيئة للالتزام الطوعي، وأخيرا التمهيد للالتزام القانوني. الهدف الأسمى أن يتطور "ضمیر" ومواطنة الشركات وتتعمق ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وهناك ثلاث ركائز رئيسة يقوم عليها نموذج الاستدامة، الركيزة الأولى البيئية، خاصة ما يخص الانبعاثات الكربونية ومحاربة التصحر والسيطرة على تدوير النفايات ونظافة مصادر المياه، الركيزة الثانية الاجتماعية، وهذه تدور حول معاملة العاملين بوعي للمحافظة على التكافل الأسري، وفرص التعليم والتطوير والاستثمار المجتمعي، والركيزة الثالثة الاقتصاد، فبدون ربحية لن تكون الأعمال التجارية مستدامة. وتعد الحوكمة السليمة وإدارة المخاطر أحدا أبعاد الاستدامة الاقتصادية. هذه الركائز مستوحاة من مبادرة التقرير العالمي، لذلك تأتي المبادرة في محاولة للتكيف مع التوجيهات العالمية. فهناك تجارب دولية عالمية في نحو 14 دولة متنوعة المراحل في تحقيقها، ويسعى كثير من هذه الدول حسب تقدمها إلى الإفصاح عن تقارير الاستدامة، كأحد متطلبات الهيئات الرقابية على أسواق رأس المال.

بدأت عدة شركات خاصة وحكومية في المملكة كبيرة مثل "أرامكو" وشركة الكهرباء، وأخرى خاصة وصغيرة نسبيا في مراحل مختلفة في سلم الإنجاز. تقارير الاستدامة ضرورة عملية سبقتها تقارير الحوكمة، التي عادة تقودها الشركة لكن الاستدامة يقودها المجتمع. يبدو أن الجدول الزمني طموح خاصة للشركات المتوسطة وممكّن أيضا، خاصة أن البعض حقق بعض المتطلبات. التحدي الرئيس هو أن كثيرا من هذه المتطلبات له شقان: الأول ثقافي إذ إن انخراط فئات مجتمعية كثيرة في تعاون وتكامل ليس سهلا في أحسن الظروف من ناحية، ويعتمد على الظروف الموضوعية لكل بلد وكل شركة، والثاني بعض هذه المتطلبات قد يكون مكلفا، خاصة إذا كان هناك جدول زمني ضاغط. مرحليا أعتقد أن التركيز على الإفصاح والحوكمة بالمعنى الجوهري وليس الشكلي خطوة نحو الاستدامة بكل ركائزها، إذ إن هناك تطابقا عمليا بين الحوكمة الفاعلة والاستدامة الحقيقية.
أخيرا هذه مبادرة وطنية لمجلس الشورى، ولجهات أخرى دور فيها تنم عن رغبة في الإصلاح والتكيف والتقدم في ظل رؤية المملكة 2030 وبرامج التحول الوطني.           

إنشرها