مقاربة عن ضم «الخدمة المدنية» إلى «العمل»

|

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الثلاثاء الماضي، أمرا ملكيا يقضي بضم وزارة الخدمة المدنية إلى وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وتعديل اسم الوزارة ليصبح «وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية».
طبعا يتبادر إلى الذهن سؤال عن العلة والمغزى أو المبرر وراء الضم.
منَّ الله على هذه البلاد بالنفط. زاد دخل الحكومة وطبعا البلاد أكثر من ألف مرة منذ عقد السبعينيات من القرن الهجري الماضي؛ الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي. لكن هذه الزيادة التي صارت دون جهد كبير جرّت إلى سلبيات. ومن السلبيات تجزئة سوق العمل التي بانت آثارها في تهميش وزهد في مهن كثيرة واعتماد مبالغ فيه على الوظائف الحكومية والاستقدام.
تتصف سوق العمل السعودية على مدى عقود بأنها مقطعة أو مجزأة إلى أقسام. وتتركز في ثلاثة: سوق العمل في القطاع العام أي الحكومي، وسوق العمل في القطاع الخاص للسعوديين وسوق العمل في القطاع الخاص لغير السعوديين. وهذه التجزئة سبب رئيس فيما عانيناه ونعانيه من مشكلات في سوق العمل. وقلت سببا رئيسا ولم أقل إنها السبب الرئيس أو الوحيد، حتى لا يتوهم الحصر فيها.
الأمر الملكي خطوة تجاه تصحيح الوضع ومعالجة تلك المشكلات في سوق العمل. وأتوقع اتخاذ خطوات أخرى قادمة في مجال التصحيح. طبعا التصحيح لن يعجب كثيرين. ولكن العبرة بالمصلحة العامة على المدى البعيد والبعيد جدا وليس عن قناعة ورضا وقتي للبعض. ويحدث كثيرا أن تتعارض مصلحة البعض الوقتية مع المصلحة العامة على المدى البعيد. وعماد نصيحة يوسف -عليه السلام- لملك مصر، تغليب المصلحة العامة على المدى البعيد على المصالح الوقتية لطائفة من الناس.
وللتوضيح، يقصد بتجزئة سوق العمل في أدبيات اقتصاد العمل labor economics تعني وجود سوق عمل مجزأة إلى جزأين أو أكثر، لكل جزء ظروفه السوقية من أجور وساعات عمل وأمان وظيفي وأعباء والتزامات ... إلخ. ويعبر عنه بالإنجليزية.labor market segmentation والنتيجة تفاوت جوهري في الطلب على الوظائف وشغلها. والكلام هنا ليس عن فروق في الدخل والميزات بسبب اختلافات تعليمية ومهنية ونحوهما، بل عن تجزئة تستند إلى أساس قطاعي أو جنسي أو عرقي أو إقليمي أو ديني ونحو ذلك.
التحليل الاقتصادي لسوق العمل والتجارب يبينان أن ضرر تجزئة سوق العمل على الاقتصاد أكثر من النفع. هي على سبيل المثال توجد أو تعمق مشكلات اقتصادية هيكلية تأثيرها بعيد المدى في اكتساب المهارات والإنتاجية والتوظيف (وعكسها البطالة) وتوزيع الموارد وعدالة الفرص. ونظرا لهذه الأضرار فإن دولا كثيرة تسن تشريعات للحد منها.
وتطبيقا على بلادنا، وعلى سبيل المثال، يعطي نظام الإقامة ميزات وسلطات إضافية لصاحب العمل في القطاع الخاص على موظفيه غير السعوديين. وهذا يحفز على توظيف غير السعوديين، حتى لو تساوت الأجور. أما نظام الخدمة المدنية فيعطي ميزات لموظفي الحكومة غير موجودة في نظام العمل. وهذا يقلل بشدة من رغبة السعوديين في العمل في القطاع الخاص، باستثناء شركات كبرى لها ظروفها. ولو فرضت الدولة تلك الميزات في نظام العمل، فإنها سلاح ذو حدين: ستحسن من دخل وميزات موظف القطاع الخاص، لكنها ستزيد من تكلفة تشغيله. ما يعني تقليل رغبة أصحاب الأعمال في توظيف السعوديين وتحفز أكثر على توظيف غير السعوديين أو على استخدام مزيد من الآلات والتقنية بدلا من البشر. أي الحدان أقوى وكيف ينبغي التعامل معهما، موضوع يتطلب عمق بحث ونظر.
كان التركيز فيما مضى في قرارات سوق العمل والخدمة المدنية ومجلسها ولجانها على الاعتبارات القانونية وما يدور في فلكها، أما الاعتبارات الأخرى فلم تكن تعطى اهتماما كافيا، ومن ثم لا عجب أن عبارة "سوق العمل" غير مألوفة في التوظيف في الأجهزة الحكومية. لكنه جرى التخفيف من هذا التركيز عبر عدة سياسات منبثقة من الرؤية، كلائحة الموارد البشرية في القطاع العام.
باختصار، لدينا عدة أهداف في الموارد البشرية على رأسها ثلاثة: 1- تقليل الفوارق في الحقوق والواجبات بين القطاعين العام والخاص. 2- مزيد من الترشيد في الإنفاق الحكومي على الأجور وبنود أخرى. 3- تقليل توظيف غير المواطنين في القطاع الخاص. ويجمع بين هذه الأهداف هدف تقليل العطالة.
ويساعد على تحقيق هذه الأهداف باختصار، أولا دمج نظام الخدمة المدنية في نظام العمل، طبعا بعد تعديل ما يحتاج إلى تعديل. وثانيا إعادة جذرية في نظام الإقامة المسمى عرفيا الكفالة. إن ضم "وزارة الخدمة المدنية" إلى "وزارة العمل والتنمية الاجتماعية" خطوة في طريق الإصلاح. ومتوقع خطوة تتبع بدمج "التأمينات" و"التقاعد". ومن المهم في جميع الأحوال مراعاة أمرين: التدرج في التطبيق؛ لتقليل الآثار غير المرغوب فيها، والاهتمام بالجودة والنزاهة في التطبيق.

إنشرها