حين يكون التندر استثمارا

|

أحدثت الشبكة العنكبوتية "الإنترنت" وتطبيقاتها الكثيرة، مثل: "تويتر"، و"فيسبوك"، و"سناب شات" تحولا كبيرا في سلوك الناس، وتصرفاتهم، سواء مع الآخرين، أو مع أقرب الناس إليهم، وما من شك أن التغيرات فيها الإيجابي، والسلبي؛ حسب المستخدم، أو المرسل الذي يبعث رسائله المكتوبة، أو الصوتية، أو المصورة المقرونة بالصوت، من حيث ثقافته، ووعيه ، وأهدافه من المحتوى الذي يبعثه، إما بشكل مفتوح، دون تخصيص، أو مغلق، على شكل رسالة خاصة، أو لمجموعة المتابعين، كما أن المتلقين لهم دورهم في استحسان المحتوى، وتقبل فكرته من الأساس، أو إخراجه، وجوانبه الفنية، من جودة تصوير، أو خلفية، ومؤثرات، إما جاذبة، أو منفرة، طاردة للمتلقين، والمتابعين. الاستحسان، والقبول، وكذا، الاشمئزاز، والرفض يعتمد على عمر المتلقي، ومستوى ثقافته، وأهدافه من المتابعة للتسلي فقط، أم للاستفادة، وزيادة المعرفة، أم لأي هدف آخر؟
من متابعتي العابرة للبعض في "تويتر"، و"سناب شات"، و"فيسبوك" وجدت أن البعض يكتب، ويصور، ويرسل لأهداف محددة لديه، ألا وهو التأثير في المتلقي؛ لكسبه زبونا لبضاعة يملكها، أو يأخذ مقابل الدعاية لها، كما أن البعض يستهدف التأثير في فكر المتلقي، وإقناعه لاعتناق فكر جديد، أو التخلي عن فكرة يأخذ بها المتابع، وإن لم يكن التأثير في الفكر، فعلى أقل تقدير الإسهام في نشر معرفة من المعارف، وثقافة في مجال من المجالات، كالثقافة الغذائية، أو الصحية، أو الرياضية، أو الدينية.
استوقفني كثيرا بعض مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي، بجميع الوسائط، إعجابا، وتعجبا، فالإعجاب لجودة المحتوى، ودسامته، وفائدته، والجهد الذي بذل فيه، وإن كان مدعوما من جهات مستفيدة، كدعاية لبضاعتهم، كما شعرت بالنفور من البعض لضعف المحتوى، وعدم فائدته، حتى شعرت أنه يكرر نفسه، ولا جديد فيما يقدم، بل إنه غثاء يعتقد صاحبه أنه مفيد، وينال إعجاب المتابعين، وهذا ما لا يتحقق في كثير من الأحيان، كاستعراض الفرد لما أكل في المطعم، أو شرب في المقهى، حتى إن بعضهم يتحدث بشكل يومي عن قهوته الصباحية، أو المسائية، ولا جديد في ذلك، بل الجديد مزيد من نفور المتلقي، وشعوره كما لو أن صاحب «السناب» محروم لم يشرب القهوة، أو يأكل الأكلة إلا الآن.
من الأشياء السيئة التي لاحظتها تجاوز البعض حدود اللياقة، والاحترام لشخص والده، أو أخيه، أو ابنته، حين يجعلهم، وتصرفاتهم مادة له، فإحدى "السنابيات" تصور والدها في مواقف عدة، وإن كان يغلب عليها الاحترام، إلا أن الوالد والوالدة في نظري لهما الاحترام الذي لا يجب أن ينزل إلى مستوى تحولهما لمادة "الفرجة"، والضحك من طريقة تفكير الوالد، أو لبسه، أو إدارة حياته اليومية، مهما كانت، إلا إذا كانت لعرض موقف نادر، فيه شجاعة، أو كرم، أو موقف، أو تصرف حكيم أسهم في حل مشكلة من المشكلات.
نموذج آخر من النماذج التي فيها شيء من الانتقاص، رغم أن "السنابي" ربما يعتقد أن ما يقوم به هو استلطاف لأخيه القاصر ذهنيا، فالمواقف التي شاهدتها فيها شيء من التقليل من قيمة الأخ، وهذا في تقديري خدش لكرامة الأخ، لذا كم كنت أتمنى لو أن المشاهد لم تصور، وتعرض على الملأ. قد يحقق "السنابي" مزيدا من المتابعين، ومكاسب مادية، لكن يمكن تحقيقها بتصوير أمور مفيدة، وليس بمواقف، كهذه التي يستشعر منها التندر، رغم ما يصاحبها من ضحك، ومرح.
نموذج ثالث يتمثل في استلطاف البعض لأبنائهم، وبناتهم في مواقف حياتية، عرضية، أو مرتب لها ومنظمة، قد تكون طريفة، إلا أن الاستمرار في عرض الابن، أو الابنة في هذه المشاهد؛ يؤثر في بناء الشخصية، خاصة إذا كانت المواقف من النوع الهزلي الذي يضحك في حينه، فمع نمو الطفل، وبلوغه؛ قد يجد في هذه المواقف ما لا يستحسنه إذا كبر وربما يكون مادة تندر من زملائه، وأبناء جيله، ولعلي أستحضر في هذا السياق حكمة: كم كلمة قالت لصاحبها دعني، وأضيف إليها: كم مشهد قال لصاحبه دعني.

إنشرها