وفرة الإمدادات تطغى على المخاطر الجيوسياسية

|

لقد تقلص خطر تعطل إمدادات النفط العالمية، حيث إن ارتفاع الإنتاج من خارج دول "أوبك" يوفر قاعدة صلبة يمكن من خلالها التعامل مع أي تصعيد في التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
في هذا الجانب، قالت وكالة الطاقة الدولية IEA في تقريرها الدوري عن أسواق النفط لشهر كانون الثاني (يناير) إن هناك كثيرا من النفط يصل إلى الأسواق في الوقت الحاضر على الرغم من زيادة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى درجة قد تؤدي إلى اندلاع حرب. وأضافت الوكالة: لا يمكننا أن نعرف ما سيؤول إليه الوضع الجيوسياسي مع مرور الوقت، لكن الخطر الكبير الذي يهدد إمدادات النفط في الوقت الحالي يبدو أنه قد تراجع. إن هذا الحال يبدو إلى حد كبير مشابها وضع السوق في أعقاب الهجمات على منشآت "أرامكو" في المملكة في أيلول (سبتمبر) الماضي، ما إن تراجعت المخاوف الأولية من صدمة العرض تخلى سعر خام برنت سريعا عن مكاسبه البالغة أربعة دولارات للبرميل.
إضافة إلى ذلك، مخزونات النفط الموجودة حاليا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تزيد على تسعة ملايين برميل عن متوسط الأعوام الخمسة وهناك أيضا كثير من المخزونات الاستراتيجية التي قد تضخ إلى الأسواق في حال حدوث انقطاع في الإمدادات. ومع ذلك على الرغم من أن المخاطر الجيوسياسية تبدو قد تلاشت، إلا أنها لم تختف بالكامل. ربما تكون إدارة الرئيس ترمب قد امتنعت في الوقت الحاضر عن شن حرب شاملة ضد إيران لكن مقتل قائد فيلق القدس أخذ المواجهة إلى آفاق جديدة.
على الرغم من أن خطاب الرئيس ترمب في وقت سابق من هذا الشهر قد فسر على نطاق واسع على أنه خطاب "وقف التصعيد"، إلا أنه قد استهل أيضا تعليقاته بقوله: «إن إيران لن تمتلك أبدا سلاحا نوويا». لكن من الواضح أن العقوبات، والضغوط الشديدة واستهداف أحد كبار قادتها سيثير ردا. مع ترك قليل لتخسره، تتراجع طهران عن معظم التزاماتها بموجب الاتفاقية النووية لعام 2015، وهي صفقة انسحبت منها الولايات المتحدة بالفعل منذ ما يقرب من عامين.
كل هذا يعني أن الولايات المتحدة وإيران مصممتان فيما يبدو على مسار التصادم. لقد تنفس العالم الصعداء عندما تراجعت الدولتان عن حافة الهاوية، لكن هناك احتمالات كبيرة أن الصراع قد يندلع مرة أخرى في المستقبل غير البعيد. وفي غياب إجراء مراجعة شاملة لسياسة الولايات المتحدة الحالية تجاه إيران، هناك سبل قليلة للتخلص الفعلي من التصعيد.
في الوقت نفسه، فقدت إيران بالفعل كثيرا من إمداداتها النفطية بسبب العقوبات. لذا، فإن مخاطر الإمدادات الأخرى تتركز في العراق، حيث بدأ الصراع الأمريكي - الإيراني ينفجر فعليا على أرضه. في هذا الجانب، قالت وكالة الطاقة الدولية: لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن إمدادات النفط من العراق من المحتمل أن تكون معرضة للخطر، تماما مثلما ازدادت أهميته الاستراتيجية كثاني أكبر منتج في "أوبك" بعد السعودية. وأشارت الوكالة إلى أن صادرات النفط العراقي قد تضاعفت منذ عام 2010، من اثنين إلى أربعة ملايين برميل في اليوم. تستورد كل من الصين والهند نحو مليون برميل في اليوم من النفط من العراق. في هذا الصدد قالت الوكالة: لقد كانت قدرة العراق الإنتاجية المتزايدة مرحبا بها للغاية حيث قلصت العقوبات صادرات إيران إلى 0.3 مليون برميل في اليوم فقط وانهار إنتاج فنزويلا. لكن الوكالة لم تشر إلى أن هذه الانقطاعات كانت نتيجة العقوبات الأمريكية.
وإذا وضعنا جانبا المخاطر الجيوسياسية، فمن المرجح أن تظل أسعار النفط منخفضة هذا العام لأن العرض من خارج دول "أوبك" سيستمر في النمو بوتيرة أسرع من الطلب. حيث ستضيف الدول غير الأعضاء في "أوبك" هذا العام نحو 2.1 مليون برميل في اليوم، في حين سيرتفع الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.2 مليون برميل في اليوم حسب أرقام الوكالة.
على عكس الأعوام السابقة، لن يهيمن إنتاج النفط الصخري على توقعات نمو العرض، على الأقل ليس كليا. من المرجح أن يشهد هذا القطاع تباطؤا ملحوظا، حيث يمثل 52 في المائة من نمو الإمدادات من خارج منظمة "أوبك"، منخفضا من معدل 84 في المائة بين عامي 2017 و2019. وبدلا من ذلك، ستضيف النرويج، البرازيل، كندا، أستراليا، وغيانا إمدادات جديدة.
خلاصة القول: إن "أوبك" وشركاءها لا يزالون يواجهون مأزق فائض الإمدادات. حيث قالت الوكالة: حتى إذا التزمت المجموعة بصرامة بالتخفيضات، فلا يزال من المحتمل أن يكون هناك بناء قوي في المخزونات خلال النصف الأول من عام 2020. من المتوقع أن ينخفض إنتاج النفط الخام لـ"أوبك" إلى 29.3 مليون برميل في اليوم في هذا الشهر، إذا كان هناك امتثال كامل وإنتاج ثابت من ليبيا، وإيران وفنزويلا. لكن هذا المستوى لا يزال 700 ألف برميل في اليوم أعلى من الطلب على نفط المنظمة للربع الأول، وأعلى بنحو 900 ألف برميل في اليوم من الطلب على نفط المنظمة للربع الثاني. بمعنى آخر، ما لم تخفض "أوبك" وشركاؤها مزيدا من الإنتاج، فإن أسواق النفط ستواجه فائضا في العرض في النصف الأول من هذا العام. وهذا ما دفع أسعار النفط إلى التراجع على مدى الأسابيع الماضية على الرغم من استمرار التصعيد، حيث انخفضت أسعار برنت من نحو 68.9 دولار للبرميل في السادس من الشهر الجاري إلى نحو 61.0 دولارا للبرميل ساعة كتابة هذا المقال.

إنشرها