الطبقات المتوسطة في الاقتصادات النامية «1 من 3»

|


عاش برانكو ميلانوفيتش طفولته في يوغوسلافيا الشيوعية حيث شهد احتجاجات عام 1968 عندما احتل الطلاب حرم جامعة بلجراد رافعين لافتات كتب عليها "تسقط البرجوازية الحمراء!".
ويتذكر ميلانوفيتش، الذي يعمل حاليا في تدريس علوم الاقتصاد في جامعة مدينة نيويورك، أنه كان يتساءل عما إذا كانت عائلته تنتمي إلى هذه الجماعة الممقوتة. فقد كان والده يعمل مسؤولا في الحكومة، وكان الصبي عكس عديد من الأطفال في يوغوسلافيا في ذلك الوقت يتمتع بغرفة نوم خاصة وهي علامة على التميز في مجتمع كان من المفترض أنه غير طبقي. وأكثر ما يتذكره هو شعوره بالإثارة عندما كان يمشي متلكئا مع أصدقائه في ذلك الصيف بالقرب من أسوار الحرم الجامعي لمشاهدة الطلاب وهم يرتدون شارات كارل ماركس الحمراء.
ويقول ميلانوفيتش في مقابلة شخصية معه "أعتقد أن الجوانب الاجتماعية والسياسية للاحتجاجات لم تتضح لي سوى لاحقا" وعلى الرغم من ذلك "فإن عام 1968 كان من عدة جوانب عاما فاصلا" في رحلة فكرية صعد نجمه خلالها كأحد أهم الباحثين في مجال عدم المساواة. وكان عدم المساواة هو موضوع رسالة ميلانوفيتش التي حصل بموجبها على درجة الدكتوراه من جامعة بلجراد، وذلك قبل أن يصبح عدم المساواة صيحة في عالم الاقتصاد بعدة عقود.
ويشتهر ميلانوفيتش اليوم بدراسته الرائدة بشأن عدم المساواة في الدخل على مستوى العالم خلال الفترة من 1988 إلى 2008، وهي الفترة التي بدأت بسقوط حائط برلين التي تعد بداية نهاية الشيوعية في أوروبا، وانتهت بالأزمة المالية العالمية.
وتناول المقال الذي صدر عام 2013 واشترك في تأليفه كريستوف ليكنر ما يعرف باسم "منحنى الفيل" بسبب شكله. ويوضح المقال أن الـ20 عاما التي يصفها ميلانوفيتش بأنها فترة "تعاظم العولمة" شهدت زيادة كبيرة في الثروات لكنها لم تكن موزعة بالتساوي عبر دول العالم. وشهدت الطبقات المتوسطة في الاقتصادات النامية ولا سيما في آسيا زيادة هائلة في الدخول. وانطبق ذلك أيضا على 1 في المائة من أصحاب الدخل الأعلى حول العالم، أو "بلوتوقراطيي العالم"، وفي الوقت نفسه ظلت دخول مواطني الاقتصادات المتقدمة في الشريحة الأدنى من الطبقة المتوسطة ثابتة.
وتكمن قوة منحنى الفيل في بساطته، فهو يلخص بسلاسة مصدر السخط الكبير بين أفراد الطبقة المتوسطة في الاقتصادات المتقدمة، وهو سخط كان بمنزلة المحرك الرئيس للشعبويين من أقصى طرفي الطيف السياسي، والدعوات إلى فرض الحواجز التجارية والقيود على الهجرة. ويقول توماس بيكيتي مؤلف الكتاب الأكثر مبيعا بعنوان Capital in the Twenty-First Century "كان لبرانكو تأثير كبير في بحوث عدم المساواة على مستوى العالم، ولا سيما النتائج التي خلص إليها بشأن منحنى الفيل". وأكد بيكيتي وزملاؤه النتائج الواردة في دراسة صادرة عام 2018 توصلت إلى أن الـ1 في المائة من أصحاب الدخل الأعلى حول العالم بلغ نصيبهم من مجموع النمو ضعفي نصيب نسبة الـ50 في المائة من أصحاب الدخل الأدنى. خلال الفترة من 1980 إلى 2016.
ويقول بيكيتي إن نتائج ميلانوفيتش "تبدو أروع كثيرا من الأفكار التي تم اقتراحها في البداية. فالفيل أصبح أشبه بالماموث".
وقد استهان خبراء الاقتصاد طويلا بدراسة عدم المساواة. وعاش كثير منهم في عالم نظري يسكنه فرد أسطوري يعرف باسم الإنسان الاقتصادي أو الرجل العاقل الذي لديه دافع وحيد يتمثل في تعظيم رفاهيته. ولم تكن للفروق بين الأشخاص أو المجموعات أي أهمية. فالتنوع لم يكن مهما، وكان التنميط هو المقياس السائد.
وفي عالم اليوم الذي يضم أفرادا عقلانيين متماثلين، حققت قوى العرض والطلب الأثر المرجو منها، حيث تحددت على أساسها أسعار السلع وكميتها وحجم رأس المال والعمالة على نحو أدى إلى تعظيم رفاهية المجتمع ككل. أما توزيع الثروة أو الدخل فلم تكن له أي أهمية، بل كان مجرد منتج ثانوي لقوى السوق.
ويقول ميلانوفيتش "إن قوى السوق توفر الحل لكل الأمور. فالمسألة لم تكن أبدا مسألة النظريات السائدة ولا تزال كذلك".
ثم وقعت الأزمة المالية العالمية عام 2008 وتزايد معها الوعي بأن أصحاب أعلى 1 في المائة أو 5 في المائة من الدخل حققوا نموا في الدخل فاق ما حققته الطبقة المتوسطة بمراحل.
كذلك تطورت دراسة عدم المساواة بفضل البيانات الكثيرة التي أصبح من الممكن تحليلها باستخدام أجهزة كمبيوتر قوية للغاية، ما زاد سهولة تقسيم مجموعات المستهلكين والعاملين مجهولي الهوية إلى مجموعات ذات خصائص مشتركة. ويقول ميلانوفيتش "إن البيانات الكبيرة تتيح دراسة التباينات، وعدم المساواة يقوم بطبيعته على التباين".
ودائما ما كانت البيانات من المجالات التي حازت اهتمام ميلانوفيتش إلى جانب اهتمامه بالطبقات الاجتماعية الذي زاد كثيرا خلال أعوام دراسته في المرحلة الثانوية في بروكسل حيث كان والده، الخبير الاقتصادي، مبعوث يوغوسلافيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية حينذاك.
ويقول ميلانوفيتش "المدرسة الثانوية في بلجيكا غلب عليها الطابع الماركسي وأعتقد أن الوضع كان مماثلا في فرنسا".
وكان زملاؤه في الفصل منقسمين بين أبناء يساريين متأثرين بالحركات الطلابية التي ظهرت أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، وبين أبناء "برجوازيين". ونظرا لتميزه بوصفه ابنا لدبلوماسي يمثل حكومة يفترض أنها عمالية، لم يتوافق برانكو في صغره مع أي من المجموعتين. ويقول عن ذلك "كان الوضع غريبا للغاية"... يتبع.

إنشرها