«قتل» بئر النفط ليست جريمة «1»

|


ذكرت سابقا أنه عند حفر بئر النفط ودخولها حيز الإنتاج التي يمكن أن نسميها مجازا مرحلة "الولادة"، يصدر المهندس المسؤول شهادة ميلاد لتلكم البئر تحوي معلومات تفصيلية جيولوجية وهندسية عنها، على سبيل المثال لا الحصر عمق البئر الحقيقي، وعمق القياس، ودرجات الميلان، وضغط المكمن النفطي، ونوع المعدات الموجودة داخل البئر وأعماقها بدقة متناهية وغيرها من المعلومات الأخرى المهمة التي لا يتسع المقال لذكرها. تسبق ولادة بئر النفط عمليات اكتشاف وتحقق كثيرة ورغم دقتها إلا أنها لا تؤكد وجود النفط بصورة قطعية، بل إن الغرض منها البحث عن المؤشرات والمواصفات الفيزيائية والكيميائية للصخور والطبقات التي قد تؤول إلى وجود النفط واحتباسه في مصائده. لذلك فإن حفر بئر تجريبية هو الخطاب الفصل للتأكد من وجود النفط، ولمعرفة أن الكمية الموجودة مجدية اقتصاديا للاستمرار واستخراجه.
إن تحقق ما سبق من وجود النفط والجدوى الاقتصادية تخرج من رحم هذا الحقل النفطي آبار كثيرة ومن هنا تبدأ دورة حياة البئر. بئر النفط لا تختلف عن الإنسان كثيرا، فكما أن لها مرحلة مخاض وولادة، فإنها تمرض وتموت وقد يتم قتلها أحيانا. تمر آبار النفط بوعكات "فنية" تؤثر في صحتها الإنتاجية توجب التدخل الفني لعلاجها وتحفيزها بطرق عديدة لتعود صحتها الإنتاجية ولتفادي آثار هذه الوعكات السلبية والتقليل من أعراضها.
الضغط أحد أهم المؤشرات الحيوية للإنسان وكذلك هو أحد أهم مؤشرات كفاءة الإنتاج لآبار النفط، فعند الإنسان يصنف ارتفاع الضغط على أنه مؤشر سلبي على صحته، لكن يختلف الحال تماما في آبار النفط، فارتفاع ضغط المكمن هو مؤشر صحي على قدرة البئر الإنتاجية حيث إن ارتفاع ضغط المكمن يؤدي إلى رفع النفط تلقائيا من مكامنه إلى سطح البئر دون تدخل وهو ما يسمى "الرفع الطبيعي" وهذه طبيعة الموائع الفيزيائية التي تشمل النفط والغاز.
الجدير بالذكر أن الرفع الطبيعي هو أقل تكلفة في صناعة المنبع، ما ينعكس إيجابا ومباشرة على التكلفة النهائية لكل برميل نفطي تم إنتاجه. مع مرور الوقت واستمرار الإنتاج ينخفض ضغط المكمن النفطي، ما يستدعي التدخل لرفع الكفاءة بطرق عديدة منها على سبيل المثال استخدام المضخات الخاصة، ومنها حفر بئر مواز لبئر الإنتاج وحقنها بالماء أو الغاز لرفع ضغط المكمن وغيرها من الطرق الكثيرة التي أفردت لها سلسلة من المقالات تناولت فيها طرق رفع كفاءة آبار النفط.
بعد رفع كفاءة الإنتاج بإحدى الطرق السابقة، فإن بئر النفط ستصل إلى نقطة عدم الجدوى أو وفاتها، وهذا طبيعي ويجري على جميع آبار النفط بل على جميع خلق الله، فلكل بداية نهاية والدائم وجه الله جل في علاه. هناك حالات معينة تستوجب "قتل" البئر على الفور مهما كانت جدواها ومهما كلف الأمر، فماذا نعني بقتل آبار النفط؟ ومتى يكون لزاما على صانع القرار في جهاز الحفر اتخاذ هذا القرار المفصلي والمكلف؟ سأجيب على هذين السؤالين في المقال المقبل بإذن الله، وسأعرج بإيجاز على أشهر حوادث أجهزة الحفر التي لم يفلح معها "قتل" البئر بعد خروجها بصورة عنيفة عن السيطرة.

إنشرها