التحول الصيني ونموذج النمو القديم «2 من 3»

|


إن قادة الصين على علم أن البلد يواجه تحديا فريدا لتحقيق إعادة التوازن؛ وعلى البلد أن يخفض معدل الاستثمار العالي للغاية ويحفز مزيدا من الاستهلاك في الوقت نفسه. وعرضت الجلسة الثالثة المنتهية أخيرا مجموعة من الإصلاحات لحفز الابتكار ونمو الإنتاجية وكبح الاستثمارات المسرفة وزيادة دخول الأسر المعيشية واستهلاكها.
ورسم القرار الصادر عن الجلسة الثالثة العشرات إن لم يكن المئات من الإصلاحات. وتقع الإصلاحات المحتمل أن يكون لها أكبر أثر في إعادة التوازن في أربعة مجالات: تحرير نظام تسجيل الأسر "الهوكو"؛ وإصلاح علاقات المالية العامة بين مستويات الحكومة؛ والتحرير المالي؛ وفتح قطاع الخدمات في الصين أمام المنافسة.
وفي إطار نظام "الهوكو"، فإن 62 في المائة من السكان مسجلون كمقيمين في مناطق ريفية ومن الصعب جدا حتى الآن أن يغير أي شخص هذا التصنيف رسميا. وكانت نتيجة هذا النظام بطبيعة الحال الحد من الهجرة من المناطق الريفية إلى الحضرية. وتعاني الصين أكبر فجوات الدخول بين المناطق الحضرية والريفية في العالم: ويحقق سكان المناطق الحضرية في المتوسط ثلاثة أضعاف ما يحققه سكان المناطق الريفية. وسينتقل عديد من الأسر الزراعية إلى المدن إذا سمح لها بذلك. وعلى الرغم من القيود، ينتقل عديد من الشباب المقيمين في المناطق الريفية إلى المدن كعمال مهاجرين. حتى في حالة إدراج هؤلاء المهاجرين، فإن معدل التحضر في الصين - تعيش نسبة 52 في المائة من السكان في مدن - منخفض مقارنة بمستوى التنمية في البلد.
ومن السمات الرئيسة لهذا النظام أنه في حين يمكن أن يأتي المهاجرون كعمال، فإنهم لا يستطيعون إحضار أسرهم وأن يصبحوا من مواطني المدن بحق وبالتالي ظاهرة "الأطفال المهجورين".
في سيشوان والمقاطعات الداخلية الأخرى. يوفر نظام العمال المهاجرين عمالة منخفضة التكلفة في مجالي التشييد والتصدير في حين أنه يكبح الطلب المحلي عن طريق هجر الأسر في مناطق ريفية فقيرة بها القليل من الخدمات العامة. ومن شأن إصلاح نظام "الهوكو" أن يؤثر في إعادة التوازن بعدة طرق. ذلك أن انتقال العمالة من الزراعة صغيرة الحجم إلى وظائف أعلى أجرا في التصنيع والخدمات هو مصدر مهم من مصادر نمو الإنتاجية. وينبغي أن يؤدي تخفيف القيود المفروضة على الانتقال إلى نمو أعلى في الإنتاجية ودخول أعلى للأشخاص المسجلين حاليا كمقيمين في المناطق الريفية وإلى مزيد من الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية.
ويمكن أن تصبح هذه الرؤية حقيقة: حدد رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانج في تقريره المقدم إلى المؤتمر الوطني الشعبي في الخامس من آذار (مارس) 2014 هدفا يتمثل في "منح الإقامة الحضرية لنحو 100 مليون شخص ريفي انتقلوا إلى المدن".
وأحد أسباب مقاومة الحكومات المحلية لإصلاح نظام "الهوكو" هو الخوف من ألا تكون لديها موارد مالية عامة كافية لتمويل الخدمات الاجتماعية المتزايدة التي تحتاج إليها أسر المهاجرين التي تأتي إلى مناطقهم. ولدى الصين ككل وفرة من موارد المالية العامة لكنها تتسم بعدم تطابق بين الحكومة المركزية، التي تجمع معظم الإيرادات والحكومات المحلية، التي تتحمل معظم المسؤولية عن النفقات. واستجابة لهذا التردد من جانب الحكومات المحلية، أعلنت وزارة المالية الخطط العامة التالية لإصلاح المالية العامة لدعم عملية إعادة التوازن:
- إدخال تدابير لزيادة إيرادات الحكومات المحلية. يمكن أن تصبح ضريبة عقارية مطبقة في جميع أنحاء البلد، على سبيل المثال، مصدرا مستقرا لتمويل الحكومات المحلية وتثبيط امتلاك عدد كبير من الشقق الذي يشكل أحد أنواع الاستثمار المفرط في الصين.
- زيادة حصة أرباح مؤسسات الدولة التي يجب دفعها للميزانية العامة. بما أن مؤسسات الدولة تحقق في الإجمالي أرباحا، ستؤدي زيادة حصة الأرباح على المستويين المحلي والمركزي إلى الحد من بعض الانحياز نحو الاستثمار وتساعد على ضمان توافر موارد للإنفاق العام على التعليم والصحة وحماية البيئة.
- السماح للبلديات بإصدار سندات لتمويل مشاريعها الخاصة بالبنية التحتية، بدلا من الاعتماد على قروض البنوك قصيرة الأجل من خارج الميزانية لشركات الحكومات المحلية المعنية بالبنية التحتية.
- تغيير حوافز المسؤولين المحليين لتتواءم مع إعادة التوازن. إن تغيير الحوافز قد يكون أصعب إصلاحات المالية العامة على الإطلاق. ذلك أن المسؤولين الحكوميين عادة ما تتم مكافأتهم على قدرتهم على توفير الاستثمار وتحقيق النمو، وهم أقل نجاحا في تحقيق أهداف أخرى، موجهة بدرجة أكبر نحو الاعتبارات الاجتماعية، مثل الهواء النقي وسلامة الأغذية وجودة التعليم والخدمات الصحية. ومن الإصلاحات الأخرى الوارد وصفها في تقرير الجلسة الثالثة تحرير النظام المالي المكبوح في الصين الذي له تأثير كبير محتمل في إعادة التوازن. وأبقى النظام المالي في الصين الذي تهيمن عليه البنوك أسعار الفائدة منخفضة أو بالقرب من معدل التضخم وتعمل أسعار الفائدة هذه القريبة من الصفر كضريبة على الأسر المعيشية المدخرة وكإعانة للاستثمار من جانب الشركات والحكومات المحلية التي تستطيع أن تقترض من النظام المصرفي. وعلى الرغم من أن أسعار الفائدة الحقيقية كانت قريبة من الصفر في جميع أنحاء العالم في الأعوام الأخيرة، فقد كانت حالة الصين غير طبيعية لأن أسعار الفائدة هذه ترجع إلى أكثر من عقد من الزمن. واتخذت الحكومة بعض الخطوات الأولوية لزيادة أسعار الفائدة على الودائع والإقراض والسماح بتطور نظام الظل المصرفي - الذي تقدم فيه المؤسسات المالية غير البنوك الخدمات التي عادة ما تقدمها البنوك - وتقديم عوائد أفضل إلى المدخرين وقروض بتكلفة أعلى للعملاء الراغبين في تحمل مخاطرة أكبر... يتبع.

إنشرها