«قل ولا تقل» على الطريقة السويدية

|


كثيرة هي الأقوال في الكلام بيد أن ربط الكلام بالفعل أو جعل الكلام بمنزلة الفعل ظاهرة رافقتنا طوال التاريخ، مع أن وقعها صار محسوسا في عالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
قد نحتاج إلى كتاب سميك إن أردنا أرشفة كل الذين جرى قتلهم، أو إعدامهم منذ مقدم الحضارة والتمدن حتى اليوم بعلة كلمة أو عبارة نطقوها.
وفي كل لسان وأمة هناك عدد غفير من الأقوال والمآثر والأحكام والحكم التي تدعو الناس إلى صون اللسان، وأن الصمت أفضل من الكلام.
فلا غرو أن تجعل دراسات الخطاب وتحليله الكلام بمنزلة الفعل، وفلاسفة اللغة يؤكدون أن أي فعل يسبقه الكلام. بمعنى آخر أصل الفعل الكلام.
ويذهب بعضهم بعيدا في العلاقة بين الكلام والفعل إلى درجة القول، إننا نحن البشر لسنا إلا ما ننطقه أو نكتبه، وعليه يجب محاسبة الكلام مثل ما نحاسب الأفعال.
وصار لدراسات تحليل الخطاب "الكلام" مكانة بارزة في العقود الثلاثة الماضية، ليس في الأروقة الأكاديمية فحسب، بل في مضامير الحياة العامة.
وما يقدمه التحليل العلمي قد لا يكون أمرا جديدا لا نعرف عنه أي شيء. في كثير من الأحيان يحلل لنا المفكرون ما هو جزء منا، ويعيش معنا ونحمله أينما حل بنا الدهر، لكننا قد لا نحس أو نشعر به.
وهذا ما تركز عليه فلسفة الخطاب، التي تربط الكلام بالشخص ربط أعضاء جسمه ببعضها.
وهناك من الكلام ما لا نبوح به حتى وإن كان يشير إلى ما نحن عليه ويعرف الناس عنه. الثقافات والمجتمعات المختلفة تضع قيودا على ما في إمكاننا قوله وما ليس في إمكاننا قوله.
في السويد مثلا يعزف الناس إلى درجة المقت عن التحدث عن أنفسهم ومن ضمنها ما يملكونه من المال. ولهذا يشمئز السويديون إن سألهم امرؤ عن دخلهم أو أموالهم أو ما يملكونه من ثروة.
والكلام هو الخطاب. والخطاب ليس اللغة فحسب، بل يشمل كل علامة أو إشارة في إمكان المتلقي التواصل بواسطتها مع المرسل أو المحيط الذي يعيش فيه.
واستنادا إلى نظرية التواصل بين المرسل والمتلقي تمتد مساحة "قل ولا تقل" خارج نطاق اللغة إلى ما يرتبط بها من سلوك وممارسة وتصرف حتى ثقافة.
وعليه، تبسط مسألة ما يمكن قوله أو لا يمكن قوله في خصوص ما يملكه الناس من ثروة، أو دخل في السويد إلى أي مظهر من مظاهر الثروة، أو البذخ أو التباهي بالمال.
ينظر السويديون بعيون الريبة والشك وقد تصل إلى درجة "القرف" إن تحدث شخص مثلا عن أنه يملك قصرا كبيرا، أو اشترى سيارة فارهة، أو لديه من الأملاك والسندات والعقارات كذا وكذا.
ومقت التباهي يغطي نشاطات ومضامير كثيرة في الحياة، منها مثلا أن الناس هنا تكره الألقاب مثل: "دكتور أو أستاذ أو السيد أو سيدي".
في الوسط الجامعي الذي أعيش فيه أنا "ليون" للكل من ضمنهم طلبتي وليس "دكتورا" أو "أستاذا" وإن خاطبني طالب في رسالة نصية، كتب "هاي -تحية- ليون".
وهذا ينطبق على أسمى المناصب منها مثلا: الوزراء ورئيس الوزراء، حيث الكل تتم مخاطبتهم بأسمائهم الأولى وليس بألقابهم.
وتسير الظاهرة أيضا على بساطة اللباس في الحرم الجامعي بالنسبة للأساتذة والطلبة واستخدام وسائل النقل الرخيصة والعامة.
استخدام الدراجات الهوائية شائع وتلجأ إليه رئيسة الجامعة والعمداء والأساتذة قبل الطلبة.
وليس هناك شيء خاص بطبقة محددة مهما كانت. المرافق العامة من مطاعم ودور الاستراحة ودورات المياه متاحة للكل دون تمييز.
وهذا ليس معناه أن الناس لا تملك المال. إنها تملك كثيرا منه، ومرتبات الأساتذة الجامعيين تقترب مما يتقاضاه الوزراء، إلا أن الذي يملك المال الوفير، يكلف نفسه وسعها أن يظهر قولا وممارسة أن الناس متساوون، وأن مبدأ الاشتراكية هو السائد قولا وفعلا.
وينسحب عدم قول أي كلام وتجنب أي ممارسة تظهر التمايز، أو الاختلاف الطبقي، على ما لدى الناس من ميول وأديان ومذاهب أو توجه سياسي.
أمقت شيء لدى السويديين هو البحث أو حتى السؤال عن دين الشخص، أو مذهبه أو ميله مهما كان. وفي أي حوار أو مجادلة أو نقاش، لا يجوز وضع الميل أو الدين أو المذهب معيارا للحكم، وإن فعل امرؤ ذلك يقع تحت طائلة القانون والعقوبات.
السويديون مولعون بالاشتراكية، بمعنى أن الكل متساوون لفظا وممارسة، رغم أن النظام الاقتصادي الذي تتبعه دولتهم ينحو صوب الرأسمالية.
إلى متى ستبقى السويد محافظة على نموذجها للمساواة، الذي بنته في العقود الخمسة الماضية؟ هذا سؤال يردده كثير من الناس هنا دون تقديم جواب شاف.

إنشرها