ثقافة العمل على الطريقة السويدية

|


صار للمقال الأسبوعي هذا عشرة أعوام ونيف. وإن لم تخني الذاكرة، لم يحدث أن مر أسبوع إلا ولنا لقاء.
ولقاء اليوم يعيد الذاكرة إلى انطلاقة هذا المقال. في حينه ولأسابيع متتالية، كتبت سلسلة من المقالات فيها مقاربة ومقارنة بين ما يجمع السعودية وشقيقاتها الخليجية وما يفرقهن عن السويد وشقيقاتها الإسكندنافية الأخرى.
الدول الاسكندنافية والسويد أكبرها حجما وسكانا واقتصادا، تتربع على عرش أكثر الدول في العالم تمدنا وتحضرا، ومن النادر ألا توجد في قمة سلم الترتيب في المؤشرات العلمية والاقتصادية والتربوية والثقافية والصحية والتقنية وغيرها.
وما زلت عند موقفي قبل عشرة أعوام حيث أكدت أن هناك فرصة سانحة للدول الخليجية كي ترتقي بمجتمعاتها واقتصاداتها والمؤشرات الأخرى التي نتخذها قياسا للتمدن والحضارة إن حاولت التعلم من التجربة الاسكندنافية، والسويدية منها على وجه الخصوص.
كثيرا ما نتحدث عن دخل الفرد وحجم الناتج القومي أو المحلي الإجمالي ومقدار المدخرات بالعملة الصعبة كدلائل على متانة الاقتصاد والدول والمجتمعات أو هشاشتها.
وفي هذا ننسى مؤشرا مهما وهو مدى استعداد الناس والشباب منهم خصيصا للولوج في ساحة العمل. وإذ ألقي الضوء على كيف حول السويديون حب العمل إلى إدمان .
وسأركز بادئ الأمر على الشباب الجامعي ومعهم الشباب في المراحل النهائية من مرحلة الثانوية في الأعمار التي تسمح لهم بالعمل ضمن شروط خاصة قبل بلوغهم الـ18.
ما لاحظته في الأعوام الأخيرة، هو هبة غير مسبوقة للشباب لاقتناص فرص التشغيل المتوافرة دون النظر إلى طبيعة العمل.
الطلاب الجامعيون يستلمون رواتب من الدولة لكنها بالكاد تكفي تغطية مصاريف الدراسة. لهم الحق في الحصول على قروض بفوائد متدنية جدا، إلا أن أغلب الطلبة يفضلون دعم معيشتهم من خلال العمل لساعات محددة في الأسبوع.
والاقتصاد السويدي ضخم والشق الخدمي منه كبير الحجم قد يوازي اقتصادات دول مجلس التعاون برمتها، إلا أن الماكينة التشغيلية له يديرها المواطنون أهل البلد.
وهناك قطاعات تحتاج إلى عمالة كبيرة وفيها حاجة على مدار الساعة إلى التشغيل المستمر مثل الرعاية الاجتماعية للمسنين والمعوقين والمصابين بالأمراض المزمنة والمقعدين.
والعمل في حقل الرعاية الاجتماعية مضن لأن المسنين وأصحاب الحاجات الخاصة أعدادهم في زيادة مطردة، إلا أن الشباب السويدي يعشق العمل في هذا الحقل.
طلبة جامعيون يقرأون الهندسة أو الطب وغيره من العلوم يسجلون أسماءهم للعمل لساعات محددة في رعاية المسنين أو تمضية وقت محدد مع معوق وإخراجه للنزهة بكرسيه المتحرك.
وإن تخرج طالب ولم يحصل على عمل في تخصصه لأول وهلة، يقبل بأي عمل أو وظيفة في إمكانه أداؤها لحين حصوله على شغل في تخصصه.
هؤلاء يتلقفون أشغالا في التنظيف والحمالة أو الرعاية الاجتماعية حيث الرواتب مجزية نظرا للعمل الشاق الذي تتطلبه.
وتراقب الدولة سوق العمل وتوجه الاستثمار في الدورات التدريبية صوب الحقول التي بحاجة إلى الموظفين والعمال.
ونظرا للحاجة إلى المعلمين والمدرسين في الوقت الحاضر، قدمت الدولة مبالغ كبيرة للجامعات لفتح صفوف جديدة لتخريج المعلمين والمدرسين في شتى المعارف. التربية والتعليم مجاني في مراحله كله.
هناك مرونة كبيرة في الانتقال من عمل إلى آخر حتى إن كان خارج الاختصاص في الصناعة والقطاعات الخدمية.
فالتمريض مثلا ثلاث درجات: الدرجة الأولى منه يحصل عليها فقط خريجو الكليات الخاصة. بينما الدرجة الثالثة التي لا تتطلب اختصاصا دقيقا وأجورها مجزية ممكن الحصول عليها من خلال دورات مكثفة مدتها ستة أشهر إلى سنة.
هناك حاجة إلى التمريض، المهنة التي يستحسنها الشباب هنا، ولهذا كل قطاع التمريض برمته في السويد يستند إلى العمالة الوطنية السويدية.
وكثير من الشركات لها دورات خاصة تعدها للملتحقين الجدد عند تعيينهم وقبل دخولهم ساحة العمل. هذه الدورات يستحسنها اللاجئون المقيمون بصورة دائمة في السويد.
وهكذا من خلال سياسات تشغيل محكمة ومدروسة بعناية فائقة تستطيع السويد إدارة اقتصاد تبلغ قيمته أكثر من نصف تريليون دولار، إن أخذنا حجم الناتج القومي الإجمالي حسب سعر الصرف، بالاعتماد على سكانها البالغ عددهم تسعة ملايين فحسب.

إنشرها