الصناعة التحويلية والجدل الدائر حول العولمة «1من 3»

|


إن سلاسل القيمة تحدث تحولا في الصناعة التحويلية.. وتشوه الجدل الدائر حول العولمة، عندما تدخل إحدى وكالات بيع سيارات تويوتا في نيويورك أو ميونيخ، قد يخطر ببالك أنك تنظر إلى سيارات مصنوعة في اليابان. لكنك مخطئ في ذلك. ففي واقع الأمر، هناك شركات مختلفة في مواقع مختلفة هي التي تنتج في الغالب القطع التي تتكون منها أي سيارة حديثة التي يصل عددها إلى 15 ألف قطعة. وهناك ثلاثة مراكز رئيسة لإنتاج السيارات.. أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. وتجرى معظم أعمال البحوث والتطوير والتصميم في ألمانيا واليابان والولايات المتحدة، بينما بدأت الصين تقوم بدور كبير كذلك، في ظل تخرج خمسة ملايين من الطلاب المتخصصين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وحصولهم على التدريب اللازم كل عام. ويجمع كل مركز منها بين الإنتاج في اقتصادات تدفع أجورا عالية وتحصل على القطع المختلفة من اقتصادات أسواق صاعدة تدفع أجورا أقل. وتتقاطع حركة القطع والمكونات عابرة حدودا عدة خلال عملية الإنتاج.
ومن الهواتف الذكية والسيارات إلى أجهزة التلفزيون والكمبيوتر، أصبح أكثر من ثلثي معاملات التجارة الدولية الآن يجرى ضمن سلاسل القيمة العالمية هذه، ما يمثل ارتفاعا مقداره 60 في المائة مقارنة بعام 2001. وأسهمت نشأة سلاسل القيمة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وأدت إلى حدوث تقدم هائل في مستويات المعيشة في اقتصادات أسواق صاعدة مثل الصين وفيتنام، حيث تنخفض تكلفة العمالة نسبيا، بينما فجوة عدم المساواة في توزيع الدخل آخذة في الاتساع في الاقتصادات المتقدمة، ومنها الولايات المتحدة. ومع هذا، فأساليب جمع بيانات التجارة التي يمتد عمرها عقودا طويلة، التي وضعت في عالم ما قبل سلاسل القيمة، لا تعكس هذا التحول، وتعطي صورة غير حقيقية لحركة السلع والخدمات في أنحاء العالم. والنتيجة هي: حوارات لاذعة حول فقدان الوظائف تلقي باللوم على التجارة وسببها عدم كفاية البيانات، فتتعالى الأصوات المضللة التي تنادي بالحمائية.
فلننظر إلى حالة الهواتف الذكية التي تصدرها الصين. عند شحنها إلى الولايات المتحدة، تسجل إحصاءات التجارة الرسمية قيمتها الكاملة كواردات من الصين. لكن البحوث التي تتناول سلاسل القيمة، مثل تقارير تطور سلاسل القيمة العالمية Global Value Chain Development Reports، التي ينشرها كل من منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، تبين أنه من الأدق أن نقول إن الولايات المتحدة تستورد أنواعا مختلفة من القيمة المضافة من شركاء مختلفين، بما في ذلك التجميع كثيف الاعتماد على العمالة من الصين ومدخلات الصناعة التحويلية الأكثر تقدما من كوريا. والسبب في ذلك أن الإحصاءات التجارية الرسمية تقيس إجمالي قيمة التجارة، وليس القيمة المضافة لكل حلقة وصل في السلسلة. والأكثر من ذلك أن الإحصاءات الرسمية لا ترصد الأهمية المتزايدة للخدمات، مثل الترميز الحاسوبي، والخدمات اللوجستية، والتسويق، وتدخل جميعا في قيمة السلع المصنعة. ومنشأ قسم كبير من القيمة المضافة في الهواتف الذكية المصنعة اسما في الصين، مثل الترميز الحاسوبي والتسويق، هو الولايات المتحدة واقتصادات متقدمة أخرى. ومن منظور هذه القيمة المضافة، تبدو اختلالات التجارة الثنائية مختلفة للغاية. فالمسألة الخلافية حول العجز في تجارة الولايات المتحدة مع الصين، على سبيل المثال، تنخفض إلى النصف تقريبا عندما يتحول التحليل من القيمة الكلية إلى القيمة المضافة لأن الصين غالبا ما تأتي في نهاية كثير من سلاسل القيمة.
ظلت سلاسل القيمة العالمية تشكل ميزة بالنسبة للاقتصادات النامية لأنها تسهل عليها تنويع أنشطتها بعيدا عن السلع الأولية والاتجاه نحو السلع المصنعة والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى. كيف؟ عن طريق تفكيك عملية الإنتاج حتى يتسنى تنفيذ خطوات مختلفة في بلدان مختلفة. وفي الماضي، كان على أي بلد أن يتخصص ويتقن إنتاج السلعة المصنعة كلها حتى يصدرها، وكان ذلك نادر الحدوث. وفي ظل سلاسل القيمة، يمكن أن يتخصص بلد ما في نشاط واحد أو عدة أنشطة يتمتع فيها بميزة تنافسية. واستطاعت الصين بفضل هذه الظاهرة أن تصدر اسما منتجات عالية التكنولوجيا حتى وإن كان الجزء الأكبر من دورها هو التجميع. وبدأ تفكيك عملية الإنتاج داخل الاقتصادات المتقدمة في مواجهة المنافسة وفي ظل انخفاض تكاليف الإجراءات اللوجيستية ثم انتشرت في العالم مع انفتاح الاقتصادات النامية الكبيرة.
ومن خلال سلسلة القيمة العالمية لصادرات الصين في 2009 من المعدات الكهربائية والبصرية ــ وهي فئة تتضمن الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية والكاميرات ــ يمكن أن يتبين دورها، ويوضح المحور الرأسي تعويضات العاملين في الساعة، وهي من مقاييس القيمة المضافة. ويربط المحور الأفقي بين الخطوات في عملية الإنتاج، بدءا بالتصميم عالي القيمة والمدخلات المالية من الاقتصادات المتقدمة. ثم تأتي القطع المتقدمة، مثل شرائح الكمبيوتر، من اليابان والولايات المتحدة وكوريا ومقاطعة تايوان الصينية. وتضيف الصين قيمة مع اقتراب نهاية السلسلة بإنتاج بعض الأجزاء البسيطة والتجميع. والصين لديها كذلك كثير مما يطلق عليه روابط استرجاعية في القطاعات المحلية مثل تصنيع المعادن والبلاستيك، وهو ما يسهم في عملية الإنتاج قبل التجميع.
وأخيرا، في نهاية السلسلة تأتي المدخلات عالية القيمة التي يتألف معظمها من خدمات مثل التسويق، حيث تباع المنتجات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان... يتبع.

إنشرها