مراعاة القوى الثقافية عند صياغة الأهداف العائلية

|

هناك عدة أنواع من الخطط كالرسالة والرؤية والأهداف والاستراتيجية وغيرها وهناك من يخلط بين هذه المصطلحات ويستخدمها كمرادفات وهذا غير صحيح فكل مصطلح وإن كان له علاقة بغيره إلا أن له معنى يختلف تماما عن الآخر. وقد سبق وبينا من قبل الرؤية والرسالة والاستراتيجية وكيف يمكن تطبيقها في مجال إدارة المجموعات الصغيرة مثل الأسر والعائلات.
ونريد هنا أن نلقي الضوء على النوع الرابع من الخطط وهي الأهداف. تعرف الأهداف بأنها الأغراض والغايات التي يراد تحقيقها في المستقبل. وقد تكون الأهداف عامة وقد تكون خاصة وقد تكون أهدافا طويلة المدى وقد تكون قصيرة المدى وقد تكون شاملة تهم جميع أفراد العائلة وقد تكون فرعية خاصة تهم فردا واحدا.
وأيا كان نوع الهدف فإنه ينبغي أن توضع الأهداف على شكل هرمي ترتب حسب أهميتها حيث توضع الأهداف الجوهرية في قمة الهرم ثم تتدرج باقي الأهداف حسب درجة أهميتها من قمة الهرم إلى قاعدته. كما ينبغي أن توضع الأهداف بشكل عام ثم يتم التفصيل فيها من أجل وضوحها وسهولة قياسها. فعلى سبيل المثال يمكن لرب الأسرة أن يضع هدفا عاما وشاملا يهم جميع أفراد الأسرة وليكن على سبيل المثال "زيادة دخل الأسرة". هدف كهذا شامل وواسع وفيه غموض ويصعب قياسه لذا ينبغي التفصيل فيه مثل "زيادة دخل الأسرة بمقدار 10 في المائة" ثم جعله أكثر إيضاحا مثل "زيادة دخل الأسرة بمقدار 10 في المائة خلال سنتين". ويستمر في إيضاح الهدف والتفصيل فيه بذكر مصدر زيادة الدخل مثل "زيادة دخل الأسرة بمقدار 10 في المائة خلال سنتين عن طريق عمل إضافي مسائي أو الاستثمار في أصل من الأصول". وهكذا تتدرج صياغة الأهداف من هدف عام إلى أهداف أخرى تفصيلية من أجل سهولة قياسها والتعرف على التقدم في تحقيقها.
فلن يتحقق الهدف ما لم يكن واضحا ومحددا للأب وللأم ولجميع أفراد الأسرة بصفتهم جميعا مسؤولون عن تنفيذه. ويقصد بالوضوح هنا تجنب الغموض من أجل ألا يكون قابلا للتأويل أو التفسير أو يفهم بطريقة مختلفة فهذا سيؤدي إلى تحقيق نتائج غير مرغوب فيها ما يشتت العمل ويضيع الوقت وليس هناك طريقة مثلى لتوضيح الهدف من التفصيل فيه كما بينا في المثال السابق.
كما أن هناك سببا آخر للتفصيل في الهدف وهو جعله قابلا للقياس. عندما يكون الهدف مفصلا فهو بذلك يكون واضحا ومن ثم يسهل قياسه والتأكد من تحقيقه وقياس الانحراف. ولتوضح هذا سنضرب المثال التالي. لنفترض أن الأب وضع 95 في المائة كنسبة مئوية تعتبر كحد أدنى للتحصيل الدراسي للأبناء والبنات يجب تحقيقها خلال الفصل الدراسي. فمن وصل لهذا المعدل أو أكثر فقد حققوا الهدف ولكن قد يكون هناك انحرافات يطلق عليها الانحرافات الإيجابية بمعنى أن الهدف (النسبة المئوية التي تم تحديها مسبقا) أقل من قدرات من تجاوزها لذا ينبغي أن ترفع قليلا في الفصل القادم أما الذين لم يحققوا هذا المعدل فلا يمكن النظر إليه على أنه إخفاق أبدا فهذا انحراف سلبي وله عدة تفسيرات، إما أن هذا الهدف (95 في المائة) أعلى من قدرات هؤلاء الذين لم يصلوا إليه وإما أن هناك ظروفا غير واضحة كانت بمنزلة معوقات تقف أمامهم لتحقيق هذا المعدل فيكونون غير راغبين البتة في التعليم ويرونه مضيعة للوقت لذا يجب معرفتها والتغلب عليها.
كما يفترض أن يكون الهدف مشروعا ومشرفا لا يتنافى مع عادات وقيم ودين المجتمع الذي تعيش فيه الأسرة كما يجب أن يكون متمشيا مع ما تضعه الدولة التي تعيش فيها الأسرة من قوانين وأنظمة. فالعادات والقيم والدين وقوانين ولوائح وأنظمة الدول تعتبر جميعها قوى يصعب تغييرها لذا يجب على الأسر والعائلات أن تتكيف معها وتضع أهدافها وخططها وفقا لهذه القوى فمن يضع لعائلته أهدافا تتعارض مع قيم وعادات الناس وضد لوائح وقوانين الدولة فهو يواجه قوى لا قبل له بها ولن يحقق مبتغاه بل سيزج بنفسه ومن يعول في نفق مظلم يصعب الخروج منه.
العائلة تعيش في بيئة والبيئة ما هي سوى عناصر وقوى لها تأثير في ضمان قدرتها على البقاء والمنافسة وتحقيق الأهداف وبناء علاقات ناجحة والمحافظة عليها. كما أن البيئة تمثل مجموعة من القيود والفرص تحدد وتوجه سلوك الأفراد والجماعات والتكتلات العرقية ومنها الأسر والعائلات.
كما أن هذه القوى تشكل فرصا للعائلة يجب استغلالها وفي الوقت نفسه تفرض عليها تحديات يجب التكيف معها. وتشتمل البيئة على عدة قوى يطلق عليها أحيانا المتغيرات مثل: المتغيرات الاجتماعية، والمتغيرات الثقافية، والمتغيرات التقنية، والمتغيرات السياسية، والمتغيرات القانونية، والمتغيرات الاقتصادية. ولا نريد أن نفصل في هذا من أجل ألا نبتعد عن موضوع المقال.
نعود لموضوع الأهداف ونختم فنقول إن الهدف المراد تحقيقه ينبغي أن يكون منطقيا وواقعيا وممكنا في حدود قدرات وإمكانية العائلة وأفرادها والوقت المحدد لتحقيقه. فالشعارات التي ترفع أحيانا من قبل الأب أو الأم قد يأخذها الأولاد والبنات على أنها أهداف وهي ليست كذلك بل شعارات ومشاعر لتحفيز القدرات لذا ينبغي أن نفرق بين ما هو هدف وما هو شعار. وواقعية الهدف لا تتعارض مع ما يطلق عليه الأهداف الجسورة وموضوع كهذا يحتاج التفصيل فيه لعلنا نناقشه في مناسبة مقبلة ـــ إن شاء الله.

إنشرها