معنى الاحتكار وكيف تغير مع الوقت

|

كلمة احتكار في اللغة العربية مأخوذة من الحكر، الذي يفيد معنى الحبس وادخار الطعام انتظارا للغلاء.
جاء في لسان العرب: "الحَكْرُ ادِّخارُ الطعام للتربص وصاحبُه مُحْتَكِرٌ ...".
وقد دارت التعريفات الفقهية حول المعنى اللغوي، مع خلافات في التفاصيل.
يفهم من المعنى اللغوي والفقهي أن هناك طعاما محبوسا عن السوق. ويسمى طعاما محتكرا حتى لو كان قليلا يشكل نسبة بسيطة من الطعام المعروض في السوق. ولا يدخل في الاحتكار ما لم ينتج أصلا، حتى لو كان بالإمكان إنتاجه.
أما في العصر الحاضر، فالمعنى الشائع وفي العلوم الاقتصادية لكلمة "احتكار" فيدور حول معنى الانفراد، أي كون من يملك السلعة واحدا أو أقلية صغيرة جدا. وهذا المعنى مصدره ترجمة الكلمة الأعجمية "مونوبولي" monopoly، المشتقة جزئيا من mono، التي تعني مفردا وأحاديا.
ولا يشترط لهذا الانفراد أن يوجد معه حبس، فقد يوجد وقد لا يوجد. طبعا الانفراد بطبيعته يعطي المنتج أو البائع قدرة على التحكم في الكميات المنتجة أو الأسعار "وليس الاثنين معا".
ولذا نفهم أن كلمة "monopoly" لا تطلق على المعنى اللغوي القديم الذي بني عليه المعنى الفقهي لدى أسلافنا. وجود هذا السلوك كان معروفا في مجتمعات ما قبل عصر الآلة، بالنظر إلى أنه لم توجد وسائل المواصلات ولا الاتصالات الحديثة، بل يعتمد فيه على البهائم في نقل السلع، ولا توجد ثلاجات لتخزين الطعام.
جدت أمثلة مختلفة في عصرنا الحاضر، ينطبق عليها المعنى اللغوي القديم للاحتكار. فمثلا، يمتنع بعض الناس عن بيع ما بحوزتهم من أراض أو أسهم لسبب ما. ولكن امتناعهم لا يعني بالضرورة أنهم وحيدون فقد توجد لدى غيرهم ملكيات معروضة للبيع، وقد تكون أكثر بكثير مما حبس عن العرض.
كيف نشأ الاحتكار بالمعنى الحديث الشائع أي الانفراد؟
طبيعة التوسع والتطور الصناعي والتقني في الغرب منذ منتصف القرن الـ 19 الميلادي حفزت منشآت لتكوين تكتل trust لتسهيل أعمالها وزيادة أرباحها تحت سلطة رقابية على الأصول assets تسمى مجالس الأمناء. وقد جنحت هذه التكتلات إلى التضييق على دخول المنافسين بهدف إبقاء الأسعار أعلى من الأسعار التنافسية، وهي عملية تسمى تقنيا "الممارسات السعرية غير العادلة". وقد تلجأ هذه التكتلات إلى خفض الأسعار دون التكلفة لفترة مؤقتة بغرض الإضرار بالمنافسين الصغار ومحاولة إجبارهم على الخروج من السوق.
الأحداث السابقة دفعت المشرعين في دول غربية إلى إصدار قوانين سميت antitrust التي تعني مكافحة التكتل والاحتكار. وبصفة أعم، طورت مجموعة واسعة جدا من التشريعات التي يعمل تطبيقها على حماية المستهلكين، وتصحيح تشوهات السوق، ومكافحة الممارسات المعطلة لقواه، وتناولت هذه التشريعات حتى حالات خفض السعر دون التكلفة، ويحدث هذا غالبا من الشركات الكبرى بهدف الإضرار بالمنشآت الصغيرة المنافسة للخروج من السوق. تسمى هذه القوانين أحيانا بقوانين مكافحة الاحتكار، من باب الخاص الذي يراد به العام، وقد أصبحت هذه القوانين، من كثرتها وتشعبها وتعقيدها، مثل البستان الضخم الذي نمى من بذور بحجم قبضة اليد.
وهنا أود التنويه على أمر. حملت عاطفة بعض الكاتبين على القول بوجود حرية اقتصادية واسعة للفرد والمنشآت في الاقتصادات المسماة بالرأسماليات الغربية. ويصور الوضع على أن دور السلطات ينحصر في الإشراف والرقابة، والتشريعات المتصلة بها، دون تدخل في آلية عمل العرض والطلب. ولكن الحقيقة المرة أن السياسات والتنظيمات المتعلقة بحماية المنافسة ومحاربة الممارسات السعرية غير العادلة في تلك الدول المسماة بالرأسمالية قوية، بل أقوى في حماية المستهلكين وعامة الناس مما هو مطبق في دول أخرى.
ومع ذلك فإن مكافحة الاحتكار ليست خالية من العيوب، فقد يرى أن الاحتكار أو التكتل يجلب، في حالات، تحسينا في الكفاءة الاقتصادية. وهناك أنشطة يرغب في كونها احتكارية، ويطلق على هذا النوع من الاحتكار في كتب الاقتصاد "الاحتكار الطبيعي"natural monopoly.
هذا الاحتكار يتميز بـ:
1 - إما بانخفاض تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة عند إسناد الإنتاج إلى منشأة واحدة، وأشهر مثال شركة الكهرباء.
2 - وإما بكون طبيعة إنتاج عدد من المنتجات تجعل إنتاجها عن طريق منشأة واحدة أكثر كفاءة من إنتاجها بواسطة عدة منشآت، مثل خدمات النقل العام في إطار عمراني محدد.
فشل السوق وتشوهات السوق وكبح قوى السوق والتكتلات الاحتكارية، والسياسات التنظيمية للتعامل مع هذه الحالات، تدرس من وجهة التحليل الاقتصادي في الحقل التخصصي الاقتصاد الحكومي وتحليل السياسات العامة، وتدرس باستفاضة أكثر في الحقل التخصصي التنظيم الأعمالي industrial organization. هذا وبالله التوفيق.

إنشرها