الادخار للسكن

|
في معادلة القدرة على تملك السكن، هناك متغيران، هما: سعر الوحدة السكنية، والدخل السنوي للفرد، أما سعر الوحدة السكنية فيخضع لمبدأ العرض والطلب في السوق، كما أن من الواجب على الحكومات - بما أننا نتحدث عن أحد أساسيات المعيشة - أن تضمن أن متوسط سعر السكن متناسب مع متوسط دخل المواطن، من خلال السعي الحثيث إلى إيجاد بيئة مستدامة في السوق السكنية توفر التوازن بين العرض والطلب، وذلك بمعرفة مسببات التأخر في إنجاز الوحدات السكنية والمساهمة في تذليلها، وتحفيز المطورين لزيادة المعروض بشتى أنواعه وأحجامه، التي تتناسب مع احتياجات الأسر، بل من المفترض - عند عدم قدرة المطورين على إنتاج الكم الملائم في وقت معين - أن تعمل الحكومة على إيجاد ذراع تطويرية تتمكن من سدة الفجوة بين العرض والطلب على المديين القصير والمتوسط، وفي المقابل عندما نتحدث عن دخل المواطن، فلا شك أن هناك حاجة ماسة إلى إيجاد سياسات تعنى بالعمل لتوفير بيئة مناسبة لرفع مستوى الدخل، وتحسين بيئة الاستثمار للأفراد، بإيجاد وسائل استثمارية تكون آمنة وذات عائد معقول للفرد الراغب في استثمار مدخراته المالية على المدى البعيد، وهذا يعني إيجاد برامج موجهة لغرض الادخار، ومن أهمها الادخار لغرض السكن. أحد العوائق المهمة لدى شريحة من الناس، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية وتجاوزها لإمكاناتهم المالية، هو عدم استطاعة سداد الدفعة المقدمة، التي تقدر بـ 15 في المائة من سعر السكن المراد شراؤه وفقا للنظام الذي أقرته مؤسسة النقد بهذا الخصوص، ولا يعني الحل خفض أو رفع هذه النسبة؛ لأن لها سياسات نقدية معينة، ومعايير يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند رفعها أو خفضها؛ وذلك لمساعدة جهات التمويل على المحافظة على مخاطرها، وضبط ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، لكن المفترض أن يعمل كل شخص على برنامج ادخاري واضح المعالم؛ ليتمكن، في الوقت الذي يناسبه، من سداد الدفعة الأولى للسكن الذي يرغب في شرائه على الأقل، وحاليا تشهد أسعار العقار السكني تصحيحا، وهذا موثق ببيانات رسمية من الهيئة العامة للإحصاء، ولا سيما أسعار الأراضي السكنية، خاصة تلك المناطق التي تكثر فيها الأراضي ويقل فيها العمران، لكن عزيزي الراغب في تملك السكن، حتى إن وصلت الأسعار إلى مستوى يتناسب مع دخلك، فبدون ادخار الدفعة الأولى لن تستطيع الشراء، أو ستضطر إلى اقتراض الدفعة الأولى، وهنا ستزيد عليك المدة وتكلفة التمويل، وكأن الانخفاض الذي حصل لم تستفد منه فعليا أو ستستفيد منه جزئيا، لذلك الادخار للسكن، ولا سيما لمن تجاوز عمره 30 عاما، لم يعد فكرة تحتاج إلى تأمل، بل أمرا لا بد أن يطبق على أرض الواقع وتبدأ به من اليوم، وخلال الفترة الماضية التي شهدت توقف البدلات والمزايا المالية للعاملين في القطاع الحكومي وشبه الحكومي، كان على المواطن أن يعيش أيامه دون هذا الدخل، ولعل الأمر الملكي بإرجاع هذه البدلات والمزايا يحفز الشخص على ادخار هذا المبلغ الإضافي، ويعتبر أن الشهور الماضية كانت تمرينا لادخار هذه المزايا المالية في حساب ادخار لغرض السكن، ولذلك فمسؤولية السكن كما أن جزءا منها يقع على عاتق الحكومة، هناك جزء آخر يقع على عاتق الأفراد بأن يضع كل منهم خطة لرفع مستوى دخله، وذلك بتطوير مسيرته المهنية، ومحاولة استغلال الفرص التجارية المتاحة في البلد، وكذلك العمل الجاد على الادخار لغرض السكن وتوفير الدفعة الأولى كحد أدنى. الخلاصة، كما أن على الحكومة إيجاد الحلول للموازنة بين العرض والطلب في سوق العقار السكنية، وكذلك إيجاد برامج ادخارية واستثمارية مخصصة للسكن، فنجد النموذج البريطاني مثلا يقدم 20 في المائة إضافية على المبلغ الذي يقوم الفرد الراغب في شراء سكن لأول مرة بادخاره لغرض الدفعة الأولى، مع وجود حد أعلى للدعم، ولذا نحن في حاجة إلى مثل هذه البرامج التي تبث الحماس في الأفراد ليدخروا لغرض السكن، وتوجيه السلوك نحو ثقافة الادخار، وفي المقابل على الفرد مسؤولية رفع مستوى دخله، بتحسين مسيرته المهنية، ورفع كفاءته العملية، وكذلك باستقطاع جزء من دخله وادخاره لغرض السكن؛ لأنه مهما انخفضت أسعار الوحدات السكنية ووصلت إلى أسعار مناسبة فلن يستفيد منها الشخص الذي لم يستعد عن طريق الادخار لاقتناص الفرص في ذلك الوقت، وحيث إن العمر والدخل الشهري أهم معيارين لتحديد مبلغ التمويل السكني، لذا أود توجيه رسالة مهمة خاصة لمن تجاوز الـ 30 ولم يفكر في رفع مستوى دخله بشكل جيد، ولم يضع خطة ادخار للسكن، فسيجد صعوبة بالغة مستقبلا في الحصول على تمويل يلبي احتياجه للسكن المناسب حتى مع تصحيح الأسعار الحالية، لذلك لا بد أن يبذل الفرد بعض الجهد لحل مشكلة السكن الخاصة به، وألا ينتظر فقط الحلول التي تعمل عليها الحكومة.
إنشرها