المشراق

تعليم البنات في السعودية.. من 12 طالبة إلى 2.5 مليون

أحد الفصول الدراسية 1958م / 1378هـ.

صف دراسي 1383هـ.

طالبات دار الرعاية 1383هـ / 1963م.

صورة مبنى المدارس طريق الميناء.

حفل لطالبات دار الحنان عام 1383هـ.

كان تعليم البنات يتم قديما في المناطق السعودية عبر معلمات أنشأن كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم أو أجزاء منه، كما يدرسن فيها القراءة والكتابة ومبادئ العلوم، وهذه الكتاتيب غالبا ما تكون في بيت المعلمة. ثم أصبحت الحاجة إلى تعليم البنات بشكل نظامي في المملكة أمرا ضروريا تفرضه الأوضاع التنموية السريعة التي تمر بها البلاد، إلا أن مسألة تعليم المرأة وخصوصا في نجد أمر كان مرفوضا عند فئات من المجتمع، وحتى يتقبل بعض المجتمع السعودي غير المؤيد لفكرة تعليم البنات، فقد قام الملك سعود منذ كان وليا للعهد بتعليم بناته، فأحضر معلمتين عام 1367هـ/ 1947م من مصر لتعليم بناته القرآن الكريم وأمور الدين في قصره وتدريس اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والتاريخ والجغرافيا، وبلغ عدد الملتحقات بالفصول 12 تلميذة وذلك عام 1371هـ/ 1951م. كانت هذه بداية معهد الكريمات في الرياض وهي المدرسة الأولى للبنات في نجد واستمرت هذه المدرسة إلى 1384هـ/ 1964م. وتشير المراجع إلى أن هدف الملك سعود من تعليم بناته هو تأييده لتعليم الفتيات في ظل ظروف مجتمع يرفض الأمر، كذلك أن تعليمه لبناته سيشجع المجتمع الذي يرفض تعليم بناته على تعليمهن لا بالفرض والإجبار، بل باللين والإقناع ويدل ذلك على مدى حنكة الملك وحسن التخطيط لديه لتنفيذ هذا المشروع وتخطي كل الصعاب وحتى يتمكن من تحقيقه استخدم أسلوب التدرج في الإقناع بأهمية التعليم للبنات تاركا الباب مفتوحا لمن أراد تعليم بناته. ولذلك أنشئت مدرسة أخرى للبنات في الرياض وهي فكرة الأميرة حصة بنت سعود، حيث عرضت الفكرة على والدها في عام 1376هـ/ 1956م على أن تكون على شكل مبرة، وسميت بالمبرة خشية معارضة المجتمع إطلاق اسم المدرسة عليها، ووافق الملك على الفكرة، ومن ثم تم إنشاء المبرة وافتتاحها عام 1376هـ، وسميت "مبرة كريمات الملك سعود". كذلك افتتحت مبرة الملك عبد العزيز عام 1378هـ/ 1958م، وتقدم التعليم المجاني للفتيات، وكانت فكرة تأسيس هذه المبرة أواخر عهد الملك عبدالعزيز، لكن بسبب مرض الملك عبدالعزيز ثم وفاته تأجل إنشاء المبرة إلى 1378هـ. #2# وإضافة إلى مدارس البنات الثلاث المذكورة فقد افتتحت عدة مدارس أهلية للبنات في عهد الملك سعود منها: المدرسة الفيصلية الأهلية في مكة المكرمة التي تأسست في عام 1375هـ/ 1955م، والمعهد اللبناني للبكلوريا في جدة وافتتح عام 1374هـ/ 1954م واستمرت هذه المدرسة اثني عشر عاما حتى عام 1386هـ/ 1966م. والمدارس التي أسست قبل تأسيس الرئاسة العامة لتعليم البنات ست عشرة مدرسة، ثماني مدارس في جدة، ومدرستان في كل من مكة المكرمة، والرياض، ومدرسة واحدة في كل من الدمام، والخبر، والطائف. وهي كالتالي: 1- مدرسة النجاح الأهلية في جدة: افتتحت هذه المدرسة عام 1374هـ/ 1954م. 2- مدرسة دار الحنان في جدة: أنشأ هذه المدرسة الملك فيصل على نفقته الخاصة في عام 1375هـ/ 1956م وتحت رعاية زوجته الأميرة عفت، فقد كان له دور في تشجيع تعليم الفتيات السعوديات قبل أن تتولى الدولة مسؤولية تعليم الفتيات ورأى المسؤولون ضرورة فتح المدارس الأهلية وكان الهدف من إنشاء هذه المدرسة هو إيواء الفتيات اليتيمات والمحتاجات وتعليمهن التعليم المناسب دون مقابل، وكانت أقرب إلى دار رعاية منها إلى مدرسة. 3- روضة المعارف الأهلية بجدة: تأسست هذه المدرسة في جدة عام 1375هـ/ 1955م وكانت في سنة 1383هـ/ 1963م تضم رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية ولم تستمر هذه المدرسة طويلا بعد تأسيس الرئاسة العامة لتعليم البنات. 4- المدرسة النصفية في جدة: تأسست هذه المدرسة في 1375هـ/ 1955م وسميت بالنصيفية نسبة إلى الشيخ محمد نصيف لتشجيعه وبذله المال والجهد رغبة في إتاحة التعليم للفتيات في وقت كان التعليم قاصرا على البنين. 5 - معهد الرياض النموذجي للبنات: وهي أول مدرسة في الرياض للفتيات، تأسست عام (1371هـ/ 1951م)، وكان اسمها (معهد الكريمات) ذكرته سابقا. 6 - مدرسة رياض الأطفال الابتدائية: تأسست هذه المدرسة في جدة عام 1380هـ/ 1960م في العام الذي تأسست فيه الرئاسة العامة لتعليم البنات وصاحبتها الأميرة نورة بنت عبد العزيز ومصطفى أبو حمدة، وتضم هذه المدرسة مرحلة رياض الأطفال والابتدائية والمتوسطة. 7 - المدرسة النموذجية ورياض الأطفال بالخبر: قام نخبة من أعيان مدينة الخبر في عام 1379هـ/ 1959م للاجتماع من أجل فتح مدرسة خاصة لتعليم بناتهم وذلك في بداية عام 1380هـ/ 1960م حيث حصلوا على إذن من الملك سعود بفتح المدرسة وقاموا بالتبرعات واستأجروا لها مقرا وافتتحت المدرسة. #3# وشهد عهد الملك سعود اهتماما كبيرا بتعليم البنات مساواة بالبنين وخطت المملكة خطواتها الأولى في تعليمهن، ولكن عارض ذلك بعض فئات المجتمع، رافضين مبدأ تعليم الفتاة بالأساس وفي المقابل هناك فئات من المجتمع تنادي بتعليم الفتيات، على ألا تتولى وزارة المعارف هذه المهمة، وبعد البحث ودراسة الموضوع وتصحيح بعض المفاهيم الاجتماعية التي تعارض تعليم الفتيات، تقرر أن تتاح للفتيات فرص التعليم وأن تقام لهن مدارس تتولى الدولة شؤونها. لذلك أصدر الملك سعود أمرا ملكيا في عام 1380هـ/ 1960م بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات لتتولى الإشراف المباشر على مدارس البنات. وترأسها أحد المشايخ وهو الشيخ عبدالعزيز بن ناصر الرشيد وتولى الإشراف عليها المفتي العام الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. #4# وربما كان أحد أهداف الملك سعود من تعيين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ للإشراف على رئاسة تعليم البنات هو حث الكثيرين من أطياف المجتمع على تدريس بناتهم، حيث إن تعيين المفتي في هذا المنصب سيجعل المجتمع أكثر تقبلا لتعليم بناته، وسيكسر الرهبة التي تكرست في نفوسهم حول حرمة ذلك ويشجع فئات كثيرة من المجتمع لتعليم بناتهم. إضافة إلى أن الملك سعود هدف بتعيين المفتي إلى تطمين المجتمع بأن من يشرف على تعليم البنات هو أبرز شخصية دينية في المملكة حينها. وبتأسيسها كانت انطلاقة التعليم النظامي للفتيات، وخصص لها ميزانية تقدر بمليوني ريال، وأمر بفتح المدارس في المدن، والهجر، والقرى للإسراع في تخريج المدرسات لكي ينفعن بعلمهن فتيات هذا الوطن، وارتفعت ميزانية تعليم الفتيات في العام التالي لتأسيسها لتصبح (12.415.480 ريال). وبعد تأسيس الرئاسة العامة لتعليم البنات نظم الجهاز الإداري وأعدت اللوائح والأنظمة واعدت المناهج والكتب الدراسية، وبدء التعليم الفعلي ويعد هذا حدثا كبيرا في البلاد. ومن خلال ما سبق يتضح إقبال المجتمع السعودي في عهد الملك سعود على تعليم الفتيات فمن خلال ارتفاع ميزانية تعليمهن يتضح أن المجتمع السعودي أيد وتقبل فكرة تعليم بناته بعد المعارضة على تعليمهن حيث انتشر التعليم بعد ذلك في عموم شرائح المجتمع. وهذا دلالة على أن الناس عندما رأت الطريقة والمنهج المتبع لتعليم البنات بدأت تتحلل عندهم حدة الرفض لتعليمهن وبدأ الإقبال على التحاق بناتهم بالمدارس للتعلم. #5# ومما لا شك فيه أن تعليم البنات يعد من أهم التغيرات في المجتمع السعودي لاسيما أن المجتمع محافظ ومتخوف من هذه الفكرة الجديدة، لقد أعاد تعليم البنات تركيبة المنزل والتفكير العائلي وتغيرت ذهنية المجتمع كله، وتقبل المجتمع السعودي هذا التغير. ومن بعدها قفز التعليم إلى مستوى لم يكن يتوقعه الراصدون في الداخل والخارج حيث سجلت الإحصائيات التطور المشهود لهذا التعليم، إذ بلغ عدد الطالبات وفق آخر الإحصائيات نحو 2.5 مليون طالبة ونحو 200 ألف معلمة. إنها تجربة فريدة وناجحة جعلت الدارسين للمجتمع السعودي المحافظ والمتمسك بالتقاليد يندهشون حقا عندما رأوا المجتمع يخطو هذه الخطوة بعيدة الأثر والمعنى. وفي سنوات لاحقة توج هذا التعليم بكليات أشبه ما تكون بالجامعات لها تخصصات مختلفة زادت عن مائة كلية موزعة على مدن المملكة، وتبعها في سنوات لاحقة الصرح التعليمي العظيم جامعة الأميرة نورة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق