عقود الخيار في سوق الأسهم السعودية

|
كثير من الأسواق المالية حول العالم توجد لديها أسواق للمشتقات المالية، أهمها عقود الخيار (أو الخيارات) على الأسهم والسندات والعقود الآجلة على السلع. الحقيقة أنه لا تكتمل السوق المالية إلا بوجود سوق للمشتقات، إلى جانب سوق الأسهم وسوق السندات. الدولة الخليجية الوحيدة التي لديها سوق لخيارات الأسهم هي دولة الكويت، حيث بدأ تداول سوق عقود الخيار فيها منذ نحو عشر سنوات، حيث تقوم شركة المركز المالي الكويتي بتداول العقود من على منصة سوق الكويت للأوراق المالية. ما الذي يمنع هيئة السوق المالية في المملكة من الموافقة على السماح للمؤسسات الراغبة في تقديم هذا النوع من الوسائل الاستثمارية الحديثة؟ أضم صوتي لصوت الزميل المحلل محمد العمران الذي تساءل بقوله "هيئة السوق المالية السعودية لم تتخذ حتى الآن أي موقف رسمي واضح حول إيجاد سوق للمشتقات المالية من عدمه، وتركت الأمر مبهما، بينما لم تقف المؤسسات المالية الدولية موقف المتفرج، وأخذت زمام المبادرة لصناعة سوق خاصة بالمشتقات المالية على الأسهم السعودية، من خلال فروعها خارج المملكة لتلبية الطلب المتنامي من المستثمرين الأجانب (وربما من السعوديين)". من المعروف أن أي وسيلة مالية لا توجد سوق منظمة لها، سينشأ سوق عشوائي لها بشكل أو آخر، خصوصا إذا كانت العملية مجرد اتفاق بين طرفين. بل إنه قبل تنظيم سوق الأسهم السعودية في الثمانينيات الميلادية كان الناس يتداولون الأسهم في مكاتب العقار! يقال كذلك إن آلية البيع المسبق (أو الشورت سيلينج) موجودة في المملكة بصورة غير رسمية، وهي آلية تسمح للمستثمر اقتراض أسهم مستثمر آخر وبيعها فورا ومن ثم شراؤها في وقت لاحق بعد أن ينخفض سعرها. ما هي عقود الخيار؟ عقود الخيار هي وسيلة مالية وجدت لمنح المتعاملين في الأوراق المالية والسلع والعملات المرونة اللازمة لبناء خططهم الاستراتيجية للتعامل في الأسواق المالية، ومنح المضاربين ـ وهم كثر في سوق الأسهم السعودية ـ المجال للدخول في عمليات مخاطرة منظمة، ناهيك عن فوائدها في ضبط التذبذب ومنح المستثمرين على المدى الطويل الفرصة لتوظيف أصولهم بشكل أفضل. على سبيل المثال، من خلال عقود الشراء يمكن لمن يرغب في تملك أحد الأسهم أن يدخل في عقد يمنحه حق شراء السهم خلال فترة معينة، بسعر معين وكمية معينة، وذلك بقيامه بدفع مبلغ قليل من المال مقابل الحصول على هذا الحق، وفي حال ارتفاع سعر السهم في المستقبل فإن مشتري العقد يربح من العقد، وفي أسوأ الحالات يخسر تكلفة العقد كاملة. هل هي محرمة شرعا؟ أصدر مجمع الفقه الإسلامي فتوى بعدم جواز عقود الخيارات في دورته السابعة، بقرار رقم 63، إلا أن هناك عددا من العلماء والباحثين ممن يختلف مع هذه الفتوى جزئيا أو كليا، مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والأكاديمية الإسلامية المفتوحة والشيخ يوسف الشبيلي والشيخ عبد الله المنيع والباحث أحمد سليمان في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، والشيخ محمد القري والدكتور سالمي السويلم والمفتي الدكتور محمود فهد مهيدات والباحث عبد الله بن سفران، وغيرهم. بإمكان الشخص المهتم الرجوع لوجهات نظر هؤلاء الباحثين، غير أنه من وجهة نظري هناك عدة مآخذ على فتوى التحريم، منها القول بأن عقد الخيار ينطوي على بيع الإنسان ما ليس عنده، وأن بيع غير المملوك محرم شرعا. ووجهة النظر هذه لا تنطبق مطلقا على معظم تعاملات عقود الخيار، تلك المبنية على العقود المغطاة التي يجب أن يكون الأصل فيها موجودا في حوزة البائع، والوسطاء عادة لا يسمحون بالبيع دون وجود الأصل. هناك كذلك من قال إن عقود الخيار تخالف قاعدة العدل التي هي من أصول العقد، حيث ينظر إلى عقد الخيار على أنه منفعة لطرف على حساب الآخر، والأصل أن يكون كل من طرفي التعاقد غانما. الحقيقة أن معظم التعاملات التجارية المباحة تنتهي بتفوق طرف على الآخر، وهو ما لم يكن معلوما بشكل قاطع عند التعاقد، وهذا أمر طبيعي. فعندما تشتري أسهم شركة ما فأنت تقوم بذلك لاعتقادك بأنك ستخرج رابحا في نهاية الأمر، بينما من باعك الأسهم هو في حد ذاته يعتقد أنه رابح بتخلصه من الأسهم التي باعك إياها، وعلى الرغم من ذلك فالعقد صحيح وقاعدة العدل باقية فيه، حتى إن ارتفع السهم بعد ذلك أضعافا مضاعفة، ولا يصح لنا الجزم مسبقا بأن المشتري غانم والبائع غارم، فالعدل موجود فيها. كذلك لا يوجد فيها أي من أوجه الغرر، وهو التعامل الذي خفيت عاقبته، المحرم شرعا، ولكن عقود الخيار ليست خافية العاقبة، فمعروف منذ لحظة توقيع العقد مدى الالتزام المالي على كل طرف وحجم الأرباح والخسائر حسب سيناريوهات مختلفة. الشيء الوحيد غير المعروف هو سعر الأصل مع مرور الزمن، وهذا من ناحية شبيه ببيع السلم، المباح شرعا، من حيث إن سعر المبيع في السوق وقت تسلم المبيع غير معروف، وعلى الرغم من ذلك يجوز التعاقد والعقد صحيح. وعلى الرغم من تشابه عقود الخيار مع خيار الشرط المباح والمعروف في الفقه الإسلامي، إلا أن أولئك الذين حرموا عقود الخيار أوجدوا اختلافات جزئية وهامشية بين النوعين لنفي صحة عقود الخيار. على سبيل المثال، أشار بعض الباحثين إلى أن محل العقد في الفقه الإسلامي هو المال، بينما في عقود الخيار محل العقد هو العقد ذاته، فهو إذا حق معنوي وليس حقا عينيا. وهذا غير صحيح، لأن المعقود عليه في عقود الخيار أصل معلوم عيني وموصوف تماما، كالأسهم والسلع والعملات. وهناك من أشار إلى أن ثمن عقد الخيار الذي يدفعه المشتري يختلف عن العربون المباح شرعا في أن ثمن العربون جزء من ثمن السلعة، بينما ثمن عقد الخيار منفصل عن ثمن السلعة. وهذا مرة أخرى غير صحيح، لأن ثمن عقد الخيار لم يأت من فراغ، بل هو مبني على ثمن السلعة، مثله مثل العربون، ولا يوجد ما يمنع اعتباره جزءا من ثمن السلعة. فعندما تدفع خمسة ريالات كثمن للحصول على عقد شراء لسهم من أسهم شركة سابك بسعر 100 ريال، فأنت ترغب في شراء السهم بسعر 100 ريال، دفعت منها خمسة ريالات كعربون و 95 ريالا عند الشراء. ربما إن الجانب الشرعي قابل للدراسة وقد نجد في نهاية الأمر أن العملية ليس فيها مخالفة شرعية، ولكن يبقى جانب آخر وهو أن عقود المشتقات أخذت شهرة سلبية بين الناس بسبب دور بعض أوجه المشتقات في بعض الأزمات المالية، غير أن التعميم بشأن مخاطر المشتقات خطأ كبير، كون هناك مشتقات عديدة تكمن فائدتها في تقليص المخاطرة لا زيادتها، ويلجأ إليها كثير من المستثمرين بسبب هذه الميزة ذاتها.
إنشرها