الموت حلال المشكلات

|
يلح المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري، على أهمية البحث السوسيولوجي في الظواهر الاجتماعية القائمة. ويدهشه خصوصا كراهية بعض الناس لدراسات علم الاجتماع الديني. إلحاحه على الدراسة المعيارية للظواهر، سيما تلك التي لها ظلال دينية، يستهدف في المقام الأول التمييز بين مسارات الحراك الاجتماعي التي تنطلق من قيم دينية بحتة، وتلك الناتجة عن تفاعلات اجتماعية خارج نطاق الدين، لكنها تلبس عباءة الدين، أو يجري شرحها بلغة تراثية. كثير من النقاشات العربية لا تنتهي لاي شيء، يقول الأنصاري، لأنها ببساطة مجرد إظهار لأحاسيس وانفعالات مختزنة أو مكبوتة. وهذه سمة واضحة في نقاشات المثقفين وعامة الناس على السواء. الجدل في السياسة، مثل الجدل في الدين والأمة والمستقبل، يدور بين حدين: إنكار للواقع هو أقرب إلى جلد الذات، وتطلع إلى حلول مستحيلة، هي نوع من المثاليات المجردة التي تصورها الفلاسفة في اليوتوبيا أو المدن الفاضلة. لا يعترف الناس عادة، بأن حلولهم مثاليات غير واقعية أو غير ممكنة. لكنهم، في الوقت نفسه، لا يعرفون بديلا واقعيا أو ممكنا. ولهذا يقفزون إلى التراث فيلقون عباءته على تلك الحلول المثالية، كي يوهموا أنفسهم أو يوهموا مخاطبيهم بأن ما يقترحونه قد سبق تجريبه، أو أنه مدعوم بدليل ديني. وما دام كذلك فهو ممكن وينبغي قبوله. هذه الطريقة البارعة في صوغ الحلول الوهمية، توفر مخارج سهلة حين تنعدم الحلول أو تقل المعرفة بموضوع المشكلة. الناس أميل إلى الإغراق في المثالية ــ يقول الأنصاري ــ حين يشعرون بالعجز إزاء التحديات التي تواجههم، أو يفشلون في ابتكار حلول عملية لمشكلات الواقع الذي يعيشونه. توهم الحلول المثالية عمل مريح لمن شغلهم الكلام والكتابة، لكنه شديد الخطورة للممارسين. ذلك أنه يقفل أبواب العقل، وينتقل بالتفكير من وضعه الجدلي المرتبط بالمشكلة، إلى وضعية غير جدلية، أحادية الاتجاه، متجاوزة للواقع والإمكانات المتاحة، تنكر الواقع بكليته وما فيه من مشكلات وإمكانات حل، إلى فعل شبه سحري يتجلى أحيانا في فناء الذات أو إفناء الآخر، ويتجلى أحيانا أخرى في هجرة العالم والاغتراب الشعوري عنه. الناس يبحثون عن أداة مثل "عصا موسى" أو "المستبد العادل"، ونعرف أن كليهما مستحيل. المفارقة الحادة في الطبع العربي يقول الأنصاري - إن تجد شابا في مقتبل العمر مستعدا لهجران أهله سعيا وراء الاستشهاد، في معركة حقيقية أو متوهمة. لكن هذا الشخص عينه ليس مستعدا للخروج من بيته لكنس الشارع أمام البيت. هذا فارق جلي بين ثقافة تقدس الحياة وثقافة تقدس الموت. ثقافة تحتفي بالمبدع بعدما يموت، بينما يعيش العشرات من أمثاله منسيين، يتمنون لفتة استذكار أو كلمة تقدير.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها