مذكرات مبتعث 41: هل الابتعاث مشروع تغيير!

مذكرات مبتعث 41: هل الابتعاث مشروع تغيير!

مذكرات مبتعث 41: هل الابتعاث مشروع تغيير!

لو تم ابتعاث "حجر" أو "صخرة" الى اي من بلدان العالم لمدة عام ، ثم مروا بكل ما يمر به المبتعث من ظروف و مشاهد و أحوال و معارف ، و تفاعل بالعالم المحيط به بحلوه و مره ، ثم عادوا –أقصد الحجر و الصخرة- ، للاحظنا تغيرا فيهما على الأقل من عوامل التعرية ، و ليس للمشاعر و الاحاسيس شأن هنا . (هذا ما تخبرنا به قوانين الفيزياء)
أما كتب الأدب فتخبرنا عن قصة تغيير جذري لعلي بن الجهم ، الذي امتدح الخليفة بقوله:
أنت كالكلب في حفاظـك للـود و كالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـواً من كبار الدلا كثيـر الذنـوب
و لكنه بعد ستة أشهر من ابتعاثه من البادية الى بغداد غيره نسيم نهر دجلة ، فعاد يمدح الخليفة برائعته التاريخية التي مطلعها :
عيون المها بين الرصافـة والجسـر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
و لست بحاجة الى سرد المزيد من الأمثلة لأقنعكم أننا كلنا ننتغير مادام الجماد يتغير ، و لكن لماذا نخشى التغيير أحيانا ، و ندعو الله دون وعي فنقول "الله لا يغير علينا" ، رغم ما في نفوسنا من رغبات و حب للمزيد من الخير و النعمة و الفضل؟ و سؤال أكثر حيرة عن سبب افتراضنا أن التغيير هو سيء و مخيف و خطير؟ نعم ذلك نصف الحقيقة ، و نصفها الاخر ان التغيير نفع و تطوير و ايجابي.
نعود لقضيتنا الأساسية حول المبتعث و السؤال هل الابتعاث سيغيرنا؟ و ما شكل التغيير الذي نسعى اليه ، و ما هو التغيير الذي حصلنا عليه من تجارب سابقة تمتد لعشرات السنين؟ و دعوني أقدم هذه الاسئلة هدية على طبق من ذهب لباحث دكتوراه يبحث عن موضوع لبحثه ، فليس لي في هذا المقال ان أعمم او اقتصر الاجابة على رايي و فهمي القاصر ، لكن من حقي طرح السؤال و بعث بعض الرؤى و الأسئلة ، و أنتظر من القاري الكريم التعقيب و الراي و التصحيح.
وفقا لقراءات سابقة في التغيير ، فإن مجالات التغيير ثلاثة: السلوك-المشاعر-الفكر ،وسأحاول مناقشة السؤال الرئيس من خلالها:
التغيير السلوكي:
المبتعث يربط حزامه في بريطانيا ، و ينسى ذلك في السعودية! هل تساءلتم لماذا؟ لأن ربط الحزام هنا مخالفة يعاقب عليها القانون ، و درءاً للمفاسد فان المبتعث يلتزم سلوكا ، لكنه ليس مقتنع فكريا بذلك ، و لذلك فالتغيير مؤقت يزول بزوال السبب.
الخطورة و الاهمية لتغيير السلوك المجرد أنها مؤقتة ، فايجابيتها ان السلوك السلبي سيزول بزوال الابتعاث ، و يعود صاحبنا كما كان ، و سلبيتها أن كل السلوكيات الجميلة ستزول أيضا بزوال الابتعاث ، و كأنك يابوزيد ما غزيت.
التغيير العاطفي:
المدخن عادة لا يدخن أبدا أمام والده أو أطفاله مهما كانت رغبته ، لانه يشعر عاطفيا بالذنب فيمتنع عن الفعل مؤقتا ، و السبب هو مشاعر و احاسيس و يعود للفعل بزوال تلك المشاعر ، و هذا أيضا تغيير سببه العواطف و يعتبر مؤقتا و ميزته و عيبه مثل التغيير السلوكي أنه مؤقت ، و لذلك خطورته و فائدته مؤقتة.
كلا التغييرين السلوكي و العاطفي قد يتحولان الى تغيير دائم ، لكن الأول يحتاج وقت طويل و تكرار ، بينما الثاني يحتاج الى كثافة حسية عميقة مثل الصدمات العاطفية.
التغيير الفكري:
و هذا هو قمة هرم التغيير و أصعب أنواع التغيير و أخطرها ، و فيه يتجلى المعنى العميق للتغيير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ، و من يربط حزام الامان عن قناعة يتحول ذلك الى سلوك دائم ، و حين يتامل المدخن عميقا مقدار الألم الذي يشعر به محبوه فانه يصل الى قناعة تجعله يتغير.
لكن المشكلة أن التغيير الفكري قد يتخطي السلوكيات البسيطة ليصب في مجالات عميقة حول العقيدة و الدين و الوطن و القيم و الثقافة و هنا يكمن الخطر الذي يجعلنا نقول ياحليل الدخان و حزام الامان!!
ما الذي يحصننا من التغيير الفكري السلبي؟ هل هناك وصفة لذلك أو ترياق يؤخذ عله يسبب "مناعة فكرية" تحمينا و تحمي أبناءنا؟
من يعرف ذلك فليدلنا لكن بالله عليك اكتب لنا "الكيفية" و لا تضيع وقتنا بالعموميات و كلام كلنا نعرفه، كلنا يحفظه و يردده و لكن من يعقله؟
في رأيي المتواضع ان المكاشفة و طرح الاسئلة و الحوار كلها أسهم ستكشف لنا ان كان لدينا قناعة بأفكارنا و مناعة تحميها أم هي مجرد بالونات فجرتها تلك السهام و ربما للمقال تكملة و الله يرعاكم.

الأكثر قراءة