قدواتنا أين أنتم ؟!

قدواتنا أين أنتم ؟!

قدواتنا أين أنتم ؟!

إن من أسهل الأمور التغني والتطبيل بالألفاظ والكلمات, والتنّظير للآخرين بالخطابات والتصريحات الرنانة. تلك مهمة يحسنها كثير من المُنظّرين , وأكثرهم من المسوؤلين !. ولكن القدوة الحقة ليست هي مبادئ تعيش في بروج عاجية منيعة , بل هي تطبيق لتلك المفاهيم و المبادئ لتصبح قيما تمشي على أرض الواقع.

الشباب في عصرنا الحالي لا يجد صعوبة كما كان في الأجيال السابقة في الوصول إلى المعلومة , وسبب وراء ذلك أننا نعيش في عصر الكم المعرفي الهائل والمتوفر في كل مكان. بل إن الواحد منا يستطيع أن يصل إلى أي معلومة على وجه المعمورة وهو في بيته مستمتع بقهوته , ومن وراء شاشة حاسوبه . ولكن المعضلة الحقيقة التي يعيشها شبابنا وشاباتنا في عصرنا هي القدوة الحية التي تمشي أمامهم فتريهم التطبيق بعد التنظير.

وما يدل على أهمية التطبيق والقدوة هو ما حدث في صلح الحديبية , لما فرغ الرسول عليه الصلاة والسلام من المعاهدة قال لأصحابه : ( قوموا فانحروا ثم احلقوا ) , قال الراوي : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات , فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس ، فقالت أم سلمة : يانبي الله ، أتحب ذلك ، أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة ، حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، فنحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا , وجعل بعضهم يحلق لبعض حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ( كناية عن سرعة المبادرة إلى الفعل) . لقد علمت رضي الله عنها بحكمتها وبفطرة الأمومة (وهي أم المؤمنين) أن الموقف يحتاج إلى درس تطبيقي عملي بسبب الظروف المحيطة , وبسبب الوقت العصيب الذي مر بهم , وهذا أشد ما نحتاجه إليه في زماننا , فهل من مجيب؟!.

والمتأمل لتاريخنا المشرق يجد كثرة ووفرة للقدوات في الأجيال الثلاثة الأولى , ولم يكن ذلك محصورا في المجال الديني فقط , بل كان هناك علماء في الفلك والرياضيات والكيمياء والطب و كافة المجالات. ثم بدأ نور هؤلاء القدوات يقل ويخفت جيل بعد جيل , فبعد أن كانوا كُثر في القرية أو المدينة الواحدة أصبحوا قلة. وأما اليوم فمن النادر أن ترى أكثر من واحد في مدينة واحدة أو حتى في أمة !.

لا أريد أن أغرق في التشاؤم , وأن أرسم صورة سوداوية لعصرنا , ولكن على القدوات أن يخرجوا من عزلتهم ليضيئوا سماءنا من جديد, فنحن نريد أن يظهروا لنا في كل مجال , وفي كل مكان , نريدهم في المسجد والمدرسة , وفي البيت والعمل.

وبالإضافة إلى ذلك فإنه من المهم جدا أن يتواجدوا في شاشات الجوالات والتلفزيونات , وأن يواكبوا عصر الانترنت . نريد أن نراهم ونسمعهم في كل وقت وحين لأن أبنائنا المراهقين والمراهقات سرقوا منا وهم بين أيدينا ! , فهم يعشون مع أجهزتم المحمولة كروحين في جسد , ومع قدوات غريبة عنا و مزيفة لا نعرفهم وليسوا منا ولا نحن منهم. تلك القدوات المزيفة خدعت أبنائنا وبناتنا فثقافتهم تختلف عن ثقافتنا , ودينهم وأعرافهم وتقاليدهم ليس لها حدود ولا مقاييس ولا ضوابط فهي تتغير وتتقلب كتقلب الأهواء !!.

نحن في أمس الحاجة إلى قدوات ثقات منّا ومن أبناء جلدتنا يمشون على أرض الواقع ليعيشوا بين الناس ومعهم.

الأكثر قراءة