دولة القانون أم دولة التعاميم
دولة القانون أم دولة التعاميم
عزيزي/عزيزتي ، هل ذهبت يوماً إلى جهة حكومية لقضاء حاجة ما أو للمراجعة في أمر ما ففاجأك الموظف بأنّ النظام “القانون” يمنع كذا و كذا أو يشترط كذا و كذا !!!
معظم الناس في الغالب يتلقّوْنَ ما يقوله الموظف الحكومي بالقبول و بدون مراجعات بصفته إنسانا عارفاً و مختصاً “كما هو مفترض” لكن عندما يكون القانون هو مجال دراستك و عملك فمن المفترض أنّك ستنقّب و ستبحث عما إن كانت تلك المعلومة التي أعطيت لك صحيحة فعلاً ..
في علم القانون هناك ما يسمى بـ”الهرم التشريعي”
الدستور
القانون
اللوائح = القرارات الوزارية “التعاميم”
القاعدة المتبعة لدى التعامل مع هذا الهرم هي أنه يفترض ألا تتجاوز كل درجة فيه ما فوقها . فاللائحة لا يجوز لها أن تخالف القانون أو أن تعدّله أو تعطّله فضلاً عن أن تلغيه و هكذا حال القانون فلا يجوز له أن يخالف الدستور ، و لكلٍ منهم جهة تختص بوضعه
ما يحصل في كثير من الجهات الحكومية هي أنه يتم الخلط بين هذه التدرجات المختلفة من الهرم التشريعي فيُعامل التعميم الذي هو مجرد قرار صادر من الوزير بشكلٍ مساوٍ للقانون الموضوع من قِبل السلطة التشريعية بالدولة . و لهذه الظاهرة أسبابها ؛ فذلك الموظف البسيط حينما لا يكون مطلعاً على الأنظمة “القوانين” التي تمسّ عمله و يأتيه في نفس الوقت أمرٌ مباشر من الوزير “و الذي يتمثّل في التعميم” فإنه من الطبيعي أن تتملّكه هيبة أمر الوزير فيترك القانون لأجله ، هذا إن أعطيناه حسن الظن و قلنا بأنه فعلاً يملك معرفةً بالقوانين ؛ فكيف و هو قد لا يكون ملماً بها أصلاً .
الإشكالية لا تقف فقط عند مسألة الخلط بين درجات القانون ، بل هي تعظُم و تكبر عندما نعرف أنّ هناك العشرات إن لم يكن المئات من التعاميم التي تأتي رأساً من الوزارة إلى المعنيّين من موظفيها دون أن تُنشر رغم أنّ بعضها على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية و قد يترتّب عليها تقييدٌ لبعض النصوص العامة في القانون ، و مع ذلك فإنّ آخر مطافها يكون في أدراج الموظفين فلا يعلم بها لا المواطنٌ العادي و لا حتى المختصّون بالقانون من محامين و مستشارين و أساتذة و غيرهم ، و لا يخفى عليكم مافي ذلك من إضرار بالمصالح العامة أقلها تضييع وقت المراجعين .
و حتى لا يعتقد البعض بأنّ حديثي هذا مجرد ترفٍ نظري فإني أستشهد بما وقع مؤخّراً عندما “سُمِحَ” لخريجات القانون بأن يمارسن المحاماة كمهنة . النظام “القانون” لم يكن يمنع أصلاً أن تزاول المرأة مهنة المحاماة فهو لم يضع الذكورية كشرط للممارسة ، إلا أنّ الطلبات التي كانت تقدّم كان توقف بدون أن يبتّ فيها إذ أنّ الممانعة كانت تعود بالدرجة الأولى لأفكار سائدة لدى بعض المتنفذّين ممن كانوا يعتقدون بعدم شرعية عمل المرأة كمحامية لأسبابٍ ليس هذا محلّ نقاشها . ثم أتى بعد هذه السنوات الـ11 قرارٌ من وزير العدل يسمح للمرأة بأن تمارس المهنة
بالمختصر انتظرنا تعميماً ليعطينا حقاً سبقه به القانون ..
فهل نريد دولة القانون أم دولة التعاميم!!!