انته من الماضي كي تعانق المستقبل
انته من الماضي كي تعانق المستقبل
ها نحن نعيش على أعتاب سنة هجرية جديدة, سوف تزيد فيها أعمارنا, وينقص فيها مدة بقائنا, وتلك هي سنة الحياة التي لا مفر منها, ولكن لابد لنا من بعض الومضات نسأل أنفسنا ما الذي قدمنا وما الذي أخرنا؟ , وما الذي تعلمناه من دورة الحياة السنوية.
أول هذه الومضات في أن اختيار الهجرة كبداية لتاريخ جديد لم يكن عبثا أو صدفة !, بل هو إشارة واضحة لبداية صفحة جديدة وعهد جديد, كأنها شمس سنة جديدة تشرق علينا, وهي صورة لبداية ولادة طفل جديد متفائل بالحياة. نحن نحتاج إلى مفهوم تلك الهجرة حتى نهاجر بأنفسنا قبل أبداننا. لابد أن تكون بداية السنة الهجرية الجديدة كمحطة نتوقف بها ولنتزود منها, فنحن البشر قد ننسى وقد نتقاعس فنحتاج إلى تذكير في كل سنة من أجل هجرة متجددة.
الغريب أننا نهتم كثيرا لحساب أموالنا ونراجع ذلك سنويا, وباهتمام بالغ وبحذر شديد, فترانا ندقق في كل صغيرة وكبيرة, وكل شاردة و واردة. ولكن العجيب أن أعمارنا لا تلقى منا ذلك الاهتمام الشديد في المراجعة. إن تلك السنوات التي تمر علينا هي أوقاتنا وهي أجلُ وأثمن, وهي المقصود الأول والأهم في هذه الحياة, وتلكم هي النظرة البعيدة الثاقبة التي يراها الناجحون مع إطلالة كل سنة جديدة. فالناجحون في الحياة هم الذين يتوقفون برهة ثم يتأملون ما مضى, ثم هم يقدمون بتفاؤل وأمل لسنة الجديدة.
والومضة الثانية أن نحاول بكل جد وصدق أن ننتهي من الماضي وأخطاءه وعثراته , ومن التعلق به , ولنجعله كاللمحات من دروس مرت علينا فاستفدنا وتعلمنا منها لمستقبلنا ,ثم هي مضت وكفى. فنحن لا نريد أن نجعلها أثقالا نحملها فوق ظهورنا كمن يحمل أوزارا , ولا حزنا بين جنبينا فيقعدنا. يقول كولين باول ( وزير الخارجية السابق للولايات المتحدة الأمريكية ) " لا أحد منا يستطيع تغيير ماضيه ,ولكننا جميعا قادرون على تغيير مستقبلنا ! ".
والومضة الثالثة , لنتذكر أولا الانجازات ولو كانت صغيرة ومبعثرة هنا وهناك , وكما جاء في الحديث " سبق درهم مائة ألف درهم" . ولكننا وللأسف في كثير من الأحيان نتذكر الأخطاء الماضية قبل الانجازات , ونتحدث عن العثرات قبل الخطوات , ونجترّ السيئات وننسى الحسنات . تلك العقلية السلبية جعلت النمط السائد لكثير منا يتذكر الأخطاء التي قمنا بها في السنة الماضية بسهولة ويسر, ولكننا في المقابل نجد صعوبة في تذكر الأشياء الكثيرة التي انجزناها على الوجه الصحيح . إن ثقافة تجميع الأخطاء وحساب العثرات جعلت نفوس كثير منا محبطة وربما منهكة.
وآخر ومضة وأهمها, أن نصنع من الماضي سُلم يرفعنا إلى المستقبل.