خبير تربوي للتنازل

خبير تربوي للتنازل

خبير تربوي للتنازل

حينما اطلعت على مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم وبعض برامجه المتميزة على موقع المشروع على الانترنت أثار في شعورا بسعي وزارة التربية والتعليم الجاد لتطوير التعليم وحاولت في هذا المقال أن أتماس مع جانب من جوانب المشروع المتعلق بالخبراء التربويين وآمل أن أوفق في عرض رؤيتي فيما يتعلق بالخبراء التربويين.
فبادئ ذي بدء أقول إنه يتوفر لوزارة التربية والتعليم ضمن قطاعاتها خبرات تربوية متميزة تمتلك كل ما يمكنك أن تتخيله من خبرات تتعلق بالتربية والتعليم من تخطيط وإدارة ومناهج وتقنيات وفهم لسلوك الطلاب وقدرة على تنميته وتعديله .
وهذه الخبرات المتمثلة في رجال يعملون في الميدان التربوي ويعلمون خفاياه ويعانون كل احتياجاته بشكل يومي لا تتوقف خبراتهم عند مجال الخبرة العملية على أهميتها الملحة ، بل يضيفون إلى ذلك شهادات الدراسات العليا التي حصلوا عليها في تخصصات تتعلق بالتربية والتعليم سواء أكان ذلك من جامعات محلية أو خارجية. وقل مثل ذلك في جانب التعليم النسائي حيث يوجد لديهن خبرات مشابهة تشكل ثقلا مهما في تعليم البنات.
ومع وجود أولئك الخبراء الذين هم من منسوبي وزارة التربية وكثير منهم سبق أن تبنت وزارة التربية والتعليم حصوله على الدراسات العليا وهو من معلميها أو العاملين في مراكز قيادية فيها إلا أن حال الوزارة في استثمارها للخبرات التربوية كحال من لا يتوفر لديه أي خبرة إذ تسعى الوزارة دائما للبحث عن مؤسسات لتطوير وإصلاح التعليم ووضع خطط للنهوض بالتعليم العام ، وتجد مسئولي الوزارة كثيرا ما يتنقلون بين دول العالم شرقا وغربا للبحث عن حلول جذرية عملية لمشكلات التعليم وفي كل يوم لوزارتنا خطة جديدة ودراسات جديدة منقولة عن مؤسسات ودور خبرة خارجية.
ومع كل تلك الاستشارات إلا أن ما نراه من خطوات لإصلاح التعليم العام وتطويره يسير سير السلحفاة وإن كان يدعي سرعة الأرنب ! ولهذا من وجهة نظري أسباب رئيسية منها :
- أن دور الخبرة الخارجية التي تستعين بها وزارة التربية والتعليم بعيدة كل البعد عن إدراك ثقافتنا وملابسات الواقع الذي تعانيه التربية في مجتمعنا ولهذا فإن حلولها ناقصة وإن كانت جميلة ومقنعة على الورق ورائعة ومبهرة عند عرضها على وفود وزارتنا خلال اللقاءات والجولات ؛ لكنها بمجرد دخولها الميدان الفعلي في مدارسنا تصدم بعقبات ثقافية ونظامية وفكرية وفي بعض الأحيان عقدية ، فتضطر للانهيار بعد سيل من لكمات العقبات التي تتلقاها ، ومن العجيب أن أول اللكمات التي تصيبها تكون داخل أروقة الوزارة قبل نشرها في الميدان فحينما تخرج من أروقة الوزارة مترنحة بسبب عقبات البيروقراطية ومخالفة اللوائح والأنظمة تخرج وقد زاد هزالها وأُذيب شحمها واقتطع بعض لحمها نتيجة لعمليات القص واللصق وترقيع جوانبها لتتواءم مع اللوائح والأنظمة والبنود المالية ! لتخرج إلى الميدان الذي يحاول أن يجري لها بعض التعديلات التي تخرجها عن صورتها الأصلية لتخرج كائنا آخر لا علاقة له بالنسخة الأصلية.
- أن هذه الخبرات المستوردة غير مقنعة للتربويين الوطنيين الذين يعرفون عوراتها وعدم توافقها مع مجتمعنا التربوي والتعليمي ومن هنا يفقدون الحماسة لها ولا يدعمونها، وكيف يمكن لمشروع أي مشروع أن يتقدم خطوة واحدة والذين يعول عليهم تنفيذه غير مقتنعين به أصلا، وقد يكون سبب انعدام هذه القناعة هو عدم قيام الوزارة بنشر الثقافة التي يتطلبها كل برنامج تطويري داخل إداراتها ومدارسها، وبينما تجد الوزارة تسعى حثيثا للتواصل بالإعلام وكثرة الحديث عن الرغبة في التطوير والبرامج المتعلقة به يبقى هذا الحديث دائما خارج الإطار المفيد لأن التطوير ينبغي أن ينبعث من الداخل وثقافة التطوير والتغيير التي تسعى لها الوزارة لا تجدي عليها شيئا ما لم تتبن خطة أخرى للحصول على تأييد داخلي ضمن منسوبيها من معلمين وعاملين بجميع فئاتهم لأن هؤلاء هم الذين سيقومون بعملية التطوير أما كثرة اللقاءات الخارجية مع وسائل الإعلام فلن يزيد الأمر إلا كلاما دون حركة فعلية داخل الميدان.
- كما أن من العقبات أنه لازالت تسيطر علينا ثقافة الفرد والمركزية : فبينما يتولى شخص منصبا مهما فإنه يسعى لأن يدعم فكرته للتطوير التي تتوافق مع توجهاته هو بغض النظر عن صلاحيتها للميدان وتراه يسعى بكل ما أوتي من قوة لدعم فكرته ويحشد لها المؤيدين ويحاول أن ينأى بمشروعه عن الأصوات التي تنتقده ويسعى لعدم حضورهم الاجتماعات التي تدرس مشروعه لتتحول العملية من هم لتطوير الميدان التربوي إلى هم شخصي للحصول على الانتصارات الشخصية ولو كان في ذلك ضرر على الميدان التربوي وهذا ما نلاحظه كثيرا وبشكل متكرر على مستوى الإدارات والوزارة ، وإن كنا قد نعذر صاحب المشروع أو الرؤية على هذا بسبب سيطرة فكرته عليه وتملكها لمشاعره وأحاسيسه وهذا يصيب الجميع عندما تتملكهم فكرة ينام ويصحو الواحد عليها فإذا عذرناه فإننا لا يمكن بأي حال أن نعذر الآخرين الذين لا يكبحون جماح تلك الأفكار المندفعة بل قد يزيدون من شدة اندفاعها.
هذه الأسباب من وجهة نظري هي التي تؤثر وتعيق عمليات تطوير الميدان التربوي والحل من وجهة نظري أن تعود الوزارة لتشكل فرقا من الخبراء التربويين المحليين الذين هم أساسا من منسوبيها ويعرفون كل ما له علاقة بالتربية من عمليات كما أنهم يعرفون جيدا خصائص المجتمع وما يدور فيه ويجب ألا تركز الوزارة في تلك الفرق على منطقة محددة أو توجهات محددة لأن التربية أشمل وأكبر وينبغي أن تستوعب الجميع.
كما أن هذه الفرق يجب ألا تخضع لعمليات الانتقاء تحت ضغط الواسطة بل يجب أن يتم وفق الانجازات التي قام بها هؤلاء الخبراء وسيرهم الذاتية ، ويمكن أن يضم لهم أصحاب الاقتراحات والتجارب المتميزة الذين يعززون جوانب ابتكارهم عمليا. ثم بعد ذلك يجب أن يكون هؤلاء الخبراء بين جزء مخطط للمسار التطويري وآخر مراجع ليتفحص إنتاج من قبله ليكمله ، كما يجب أن يعطوا الوقت الكافي حتى لا تكون أعمالهم مرتجلة وحتى لا تصبح كما يقال (سلق بيض).
كما أن هذه الفرق من الخبراء يجب أن تعطى حقها من الجوانب المادية والمعنوية ، وأذكر أن بعضهم أخبرني أن بعض الخبراء الأوربيين استقدمته وزارة التربية بمبلغ مائة ألف يوميا لمدة أسبوع كما أن الإقامة في فندق خمس نجوم وتكاليف المواصلات والإعاشة كلها تحملتها الوزارة ، بينما بعض خبرائنا المحليين لا تدفع لهم الوزارة أكثر من ألف وسبعمائة ريال في أسبوع كامل وعليه أن يؤمن سكنه ومواصلاته.
ولنتذكر دائما يا وزارتنا الغالية أنه لا يخدم بخيل، وحتى لا يضطر كثير من خبرائنا المحليين أن يعلقوا لوحة على مكاتبهم وسيارتهم للإعلان عن : (خبير تربوي للتنازل لعدم الحاجة).

الأكثر قراءة