رسالة حب متأخرة جداً
رسالة حب متأخرة جداً
قبل ثلاثة عشر عاماً جاءت لخطبتي لآبنها الأكبر ومنذ أن رأيتها لأول مرة عرفت أنها تريد ابنة وليس زوجة ابن ..... دخلتُ منزلها ورأيت فيها نعم الأم الصالحة الحنونة على أبنائها وبناتها ، كانت دائماً تفخر بي وتعرفني لكل ضيوفها وجيرانها بطريقة الأم المحبة لابنتها .... عبرت لي عن حبها ملايين المرات بالأفعال والأقوال ... حتى صرت أحسد نفسي بين أمثالي لأن لي ( ُُأمّين ) بدل الواحدة ... ومرت السنوات حتى صارت عشراً انجبت خلالها ثلاث بنات لم أسمع منها يوماً تبرماً أو ضيقاً بهن خاصة أن زوجي هو الولد الأكبر في العائلة والكل يتمنى أن يرزق بالولد إلا هي كانت تقول لي : الثلاث بنات لهن مكانة خاصة في قلبي عن بقية أحفادي مجتمعين .. حتى أنها كانت تفخر بهن في المناسبات العائلية وتعبر عن حبها الشديد لهن وكانت كلماتها تحرك في قلبي مشاعر الحب أكثر لهذه الانسانة الرائعة.
ومضت الأيام التي زادتنا حباً وقرباً من بعضنا .. وانتقلت عائلة زوجي خلالها لمنزلهم الجديد وبدأت أم زوجي تمرض في فترات متقاربة على غير العادة .. وأصبح الجميع قلقاً عليها خاصة أن الفحوصات الطبية أثبتت لهم أن لا مرض عضوي لديها ... وبدأت تشعر بشي غريب ربما لم أحسه أنا ولم أعيه جيدا لكنني علمت عنه متأخراً جداً ، لقد كانت تخشى المرض ليس جزعاً منه لكن خوفاً من أن تثقل بمرضها على أبنائها وبناتها لذلك كانت تكثر الدعاء بأن تموت دون أن تتعب أو تكون سبباً في تعب أحد ما .. وتمر الشهور وتسير حياتنا بنفس الجدول الذي سارت عليه منذ زواجي حتى أيامنا هذه ، اجتماعاتنا الأسرية الأخوية الرائعة .. كنا عائلة من أم وأب وأخوه وإخوات لم أكن بينهم إلا واحدة من البنات ...
كان يوم الأربعاء هو يوم اجتماع العائلة كلها ولا مجال للتغيير في ذلك وكانت أم زوجي تحرص على الطبخ لنا بنفسها وترفض أن يساعدها أحد .. وتريد منا أن نتبادل الأحاديث حتى تفرغ من عملها ، فكنت أقضي معها وقتاً في المطبخ نستأنس بالحديث معاً و ُأعلمها عن أخباري في بيتي ومع إخوتي.. كانت تحب الأخبار المفرحة والأحاديث العفوية وُ تسر بها وكانت تحضنا على التحضير لدرس نذكر الله فيه في مجلسنا وتبدأ هي بالتذكير به دائماً ... كانت امرأة رائعة بمعنى الكلمة ومهما قلت فيها لن أوفيها حقها أبداً ، كانت بشوشة مبتسمة لكل من تعرف ومن لا تعرف محبة للبذل والخير والصدقة ، محبة لجميع الناس ولا أبالغ (لجميع الناس) وتدعو للكل بالدعاء الذي يشرح الصدر ويفرح القلب ... كانت تغمرني بحبها وحنانها الذي لا ينتهي والذي لم أرتوي منه بعد ، كنت أرى في عينيها الأمل والصبر والرضا بما كتب الله لها من خير أو شر بل كانت لا ترى الشر في حياتها أبداً رغم المآسي التي واجهتها ... تعلمت منها حب الناس والتفاؤل والصبر والرضا بما قدر الله فذلك هو الخير وإن كرهناه ..... عشر سنوات وأنا ارى فيها الأم العظيمة وأرى بعيني وأسمع بأذني محبة الناس لها وثنائهم عليها بالخير فكنت كفراشةتطير من الفرح (من نال حظاً أوفر مني بأم الزوج هذه) كنت أعبر لها عن حبي بأفعالي أكثر من أقوالي وأثني عليها كثيراً عند أهلي وجيراني حتى أحبها من لم يرها .... حتى جاء الوقت الذي استعد فيه أهل زوجي للسفر إلى ديارنا في جنوب المملكة وكانت أم زوجي تكثر الذهاب هناك في الآونه الأخيرة لارتباطهم بعملٍ هناك ...لذلك كانت تلك الرحلة واحدة من الرحلات الاعتيادية في حياتنا ........لكنها لم تكن كذلك في حياة تلك الأم الغالية ... لقد ودعت الجميع بلهفة وشوق للقاء وطلبت من الجميع التسامح والمحافظة على أجمل ما في أخوتهم ، كلمت محبيها قبل سفرها وودعتهم وكان لي نصيب من هذا الوداع فقد ذهبت لها يوم الخميس وتناولنا العشاء معاً وشاركتها في تحضيره وتحدثت معها كالعادة وكنت أرى في عينيها بريقاً غريباً وعلى وجنتيها حمرة طاغية حتى أنني حدثت نفسي مستغربة لماذا هي تشعر بالحر رغم برودة التكييف ... سلمت عليها وشممت رائحتها المميزة .. قبلت رأسها وودعتها وما علمت أنه الوداع الأخير ...
ففي صبيحة يوم السبت الثالث من شعبان قدر الله على أهل زوجي بحادث نجوا منه جميعا بكسور ورضوض بسيطة إلا الغالية فقد فاضت روحها إلى بارئها في نفس الحين حيث ُوجدت رحمها الله بكامل سترها لم ُتخلع عبائتها ولم يرتفع غطاء وجهها وكانت مطروحة خارج السيارة مستقبلة القبلة رافعة صوتها قبل انقلاب السيارة بشهادة أن لا إله إلا الله والله أكبر لتلقى ربها وهو عنها راض ٍ بإذنه سبحانه ولتشهد ُمغسلة الأموات بحسن خاتمتها ....
تلقيتُ الخبر وسط تكذيب وألم وعدم استيعاب لولا بكاء والدي عليها لما صدقت بموتها .. ظللت أسأله في الهاتف عن حالها ويجيبني بصوت باكٍ بنفس الرد ( توفيت ) ..... جاء إخوتي لأخذي لبيت أهلي .. دخلت البيت وجدت أبي حزيناً متألماً ، وأمي تتلو القرآن على سجادتها.. تحجرت الدموع في عيني فلم تسقط دمعة واحدة .. كنت أردد لا حول ولا قوة إلا بالله وأضم ابنتي الصغيرة لحضني .....آآآه كم هي لحظات سريعة لكنها مؤلمة توجهت لغرفتي ورميت بجسدي المصدوم على السرير تذكرت الغالية واليوم الذي ودعتها فيه وكيف لن أراها ثانية .... دار في رأسي شريط ذكريات عشر سنين سريع جداً تذكرت كلماتها لي يوم دخولي منزلهم في آخر لقاء لنا قالت لي : لو لم تأتي لوداعي كنت سأموت !!!!! تذكرت اكثارها من ذكر الموت وضمة القبر في آخر أيامها.. تذكرت تعلقها الشديد بالقرآن والصلاة ( مع أنها لم تفرط في ذلك أبداً ) لكنها باتت تكثر منها بشكل لاحظه أهل البيت وكأنها تحس بقرب الأجل ......
رحلت ( أمي ) ولم أقدر أن أودعها ميتة فقلبي لا يقوى على رؤيتها جسداً بلا روح ، رأيتُ أن تبقى صورتها في قلبي وعقلي وهي حية على أن أراها وهي ميتة ..... وبرحيلها أنطفأ النور من منزل أهل زوجي إلى يومنا هذا ولن تفلح مصابيح العالم مجتمعة على أن تعيد ذلك النور إليه ثانية ..
رحلت محبة الجميع .. محبة الخير .. حضرت الوفود لعزاء الغالية .. بكاها الكل صغارا وكبارا رجالا ونساءا من عرفها ومن لم يعرفها أحبها الجميع لسمعتها الطيبة وذكرها الحسن .....
وانتهت أيام العزاء وما زال العزاء في قلبي إلى اليوم . مرت ثلاث سنوات على وفاتها وأنا أكتوي بنار الفراق .. ما زلتُ أرى بريق عينيها وكلماتها الطيبة وابتسامتها العريضة واشتم رائحتها الطيبة المميزة ....
رحلت أمي ولم أبعث إليها بهذه الرسالة المتأخرة لأقول لها أنني أحبك يا أماه .. أحبك يا أماه من كل قلبي .. لم تكن تحتاج لذلك فقد كانت تعرف مقدار حبي لها دون أن أتكلم ....
سامحيني يا أماه إن قصرت يوما في حقك أو فعلت ما تكرهين فأنا ابنتك وألتمس السماح منك.
أماااه .... لئن رحلت وغبت عن عيناي فأنت في قلبي لم تفارقيني ولم تفارقني ابتسامتك وضحكتك وصوتك ورضاك عني ... أنت معي في بيتي وعملي وحزني وفرحي .. كم أنا محظوظة لأن عندي زوجاً هو ابنك ..قطعة منك ، وبنات .. هن حفيداتك.. من رائحتك ...
أعدك يا أماه أن أربيهن تربية صالحة كما تحبين وأعلمهن حسن الخلق كما كانت أخلاقك وأذكرهن بك دائما وبجميل ما أحببت فيك، أما ابنتي الصغرى فلم تعرفك ولم تحفظ وجهك الطيب الحسن .. لكنني سأذكرها بك دائماً ...
أماه لن أنساك بالدعاء أن يغفر الله لك ويرحمك ويوسع مدخلك ويعوضك بصبرك الجنة وأن يجمعني بك الله في الفردوس الأعلى كما كنت تدعين دائماً .. هي نعم المنزل والمآل ....
والحمد لله على قضائه وقدره .