منوعات

المرأة .. في الكاريكاتير السعودي (2)

إذاً .. حضر محمد الخنيفر، وقدم لنا "أم سلطانة"، وزوجها الأب السعودي المتعلم والشرس في أمرين: التدخين وتشجيع نادي الهلال! ومن خلال الأم وابنتها، تعرفنا على معضلات كانت في كثير من الأحوال حكراً على نقاش الموائد الأسرية .. كتوجهات التعليم، المشاركة، الحقوق، الرأي، قيادة السيارة ... وغيرها. بل تجاوز بنا "المُعلّم" في أحرج المواضيع تناولاً إلى سرد الرأي على لسان طفلة بجدائل قصيرة، "سلطانة"، التي كان من المخطط لها في الثمانينيات من القرن المنصرم أن تتحول إلى مسلسل كارتوني متحرك، ولكن التلفزيون السعودي آنذاك، بمحدودية توجهه، لم يقو على تحمل عبء النقلة ووزن الطرح! وبقيت "سلطانة" الخنيفر، كأيقونة أسطورية، حلماً حتى يومكم هذا! أظنني نبهت إلى كيفية الاختلاف في حالة الخنيفر، فالمرأة كما سبق وقلت، دهمتنا بوجودها كأنثى فاتنة في قلب السخرية، حوريّة في مساحة تعمّها الفوضى، امرأة تسافر إلى عواصم العالم المتقدم، وتحاور ابنتها وتجادل زوجها! كانت إشارة صريحة لميلاد جيل المتعلمات الثاني في البلد، ودلالة على تزايد أعدادهن، وما لهذا النوع من النساء من خصوصية وطقوس. بادر "المعلّم" إلى تحجيم النسقية النابعة من ذعر رقيب الدواخل .. فربط المشهد بأدق التفاصيل، فنحن حيناً في صالة المنزل، وأحياناً في مجلس النساء، ولا ضير في أن ننتقل لمراقبة خلاف ينشب بين الزوجين قبل الخلود للفراش! في تلك المرحلة، أخذت المرأة بعداً كاريكاتورياً جديداً، وأثراً لم تتجاوزه العين الثقافية السعودية دون أن تعيه. واستمرت أعمال "المعلّم" في حشد الأنظار من خلال الصحافة المحلية واللندنية التي تنبهت بذكاء لأهمية الاستعانة به لتقريب قراء الداخل من جيل المتعلمين الجدد والعائدين من بدايات برامج الابتعاث. حينها، كان الهجوم ضارياً على جُلّ ما يطرح الخنيفر، وتهيّب الناس من حقيقة وجود هذه الأنثى بهذه القوة والجرأة، وهنا دليل جديد على قدرة الفنان الحقيقي والمفكّر المجتمعي على استقراء النبوءة. قال الخنيفر، ومعه قلة من المثقفين، قبل أكثر من ربع قرن إن المرأة ستبدل وضعها .. وإنها ستظهر بصيغة ما أرادها لها مجتمع يخشاها قبل أن يخشى عليها! لم يكن حينها قد ظهر أي أثر لفنانة كاريكاتير سعودية، واضطر رموزنا الكبار للتعاطي مع الأنثى وموضوعها من خلال طروحات تعزز مطالبها رغم بدائية وتعقيد آلية التواصل آنذاك. واستحضر رموزنا المرأة في مختلف صورها: الطفلة، الزوجة، العروس، المتأخرة في الزواج، الأخت، الموظفة.. إلخ. إلا أن العنصر الرجالي كان حاضراً في المشهد ذاته في كثير من الأحيان، ويعود السبب في هذا إلى حقيقة المرحلة من بروز سلطوية الرجل وتسيدّه جزئيات القرار. نحن نتحدث عن مرحلة، حتى القيادات التعليمية النسوية، كانت المرأة فيها ثانية أو ثالثة بعد الرجل. ولا يمكن للكاريكاتير أن يقلب كامل الصورة ويفوّت على نفسه لذة التقاط المفارقة. ومن هنا استمر الكاريكاتير في تسيّد المشهد الثقافي في جانبه الفني .. في حقبة ما قبل الفضائيات. وللحديث بقايا..
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من منوعات