الأوضاع الاقتصادية تسير من سيّئ إلى أسوأ

|
الوضع الاقتصادي، سواء في الولايات المتحدة أو على مستوى العالم، يثير القلق الشديد حاليا، خصوصا بعد تراجع معدلات النمو الاقتصادي المشجعة التي شهدها الاقتصاد الأمريكي في النصف الثاني من العام الماضي، والتي أحيت الآمال بقرب حدوث خروج سريع للعالم من الأزمة، وعودة الأوضاع الاقتصادية في العالم إلى سابق عهدها قبل الأزمة، وهي بالطبع كانت تمثل أخبارا سارة جدا بالنسبة لنا هنا في الخليج، حيث تصاعدت التوقعات بعودة أسعار النفط إلى مستوياتها المرتفعة، ومن ثم انتعاش مستويات النشاط الاقتصادي على نحو كبير في دول مجلس التعاون. تتزايد اليوم احتمالات تراجع معدلات النمو في الولايات المتحدة والعالم مع استمرار معدلات البطالة مرتفعة نسبيا، بينما يترنح قطاع المساكن الأمريكي مع تراجع مبيعات المساكن الجديدة، حيث يواجه القطاع مشكلات عميقة خصوصا بعد انتهاء فترة الإعفاءات الضريبية على مشتريات المساكن، وتراجع النمو في مبيعات السيارات نتيجة انتهاء برنامج دعم مشتريات السيارات الجديدةCash for clunkers، وقرب نفاد اعتمادات ميزانيات التحفيز المالي، واحتمالات ارتفاع معدلات الضرائب في الولايات المتحدة مع انتهاء الإعفاءات الضريبية التي أقرها الرئيس بوش بعد أحداث 11 من أيلول (سبتمبر)، وتراجع مؤشرات ثقة المستهلك بصورة كبيرة، وتراجع مؤشرات الأسهم، وتراجع معدلات التضخم بما يعكس ضعف مستويات الطلب الكلي، وتراجع النمو في الإنفاق الكلي، وبصفة خاصة الاستهلاكي، نتيجة عدة عوامل، أهمها تراجع معدلات النمو في الأجور، وارتفاع احتمالات اندلاع أزمة الديون السيادية في أوروبا، واتباع عديد من الدول الأوروبية سياسات مالية تقشفية لتخفيض مستويات الإنفاق، ما يعني أن النمو في الطلب الكلي سيكون مقيدا في هذه الدول بصورة أكبر من الولايات المتحدة، وكذلك تباطؤ معدلات النمو في الصين، وهو ما يعني مزيدا من التراجع في الطلب على الصادرات الأمريكية، وجميع هذه الدلائل تشير إلى فقدان التعافي الاقتصادي العالمي للعزم الذي اكتسبه في النصف الثاني من العام الماضي، وهو مؤشرات توحي بأن العالم ربما يكون مقدما على حالة كساد على شكل تراجع مزدوج Double dip recession في النشاط الاقتصادي. ولكن ما هو التراجع المزدوج، أو الكساد على شكل تراجع مزدوج؟ التراجع المزدوج هو الحالة التي يحدث فيها تعافٍ أولي للاقتصاد من حالة الكساد التي يواجهها، ويتجه النمو الحقيقي في الناتج إلى أن يكون على شكل حرف V، ولكن هذا النمو المبدئي لا يكون كافيا في هذه الحالة للخروج من الكساد ومن ثم اكتمال الدورة الاقتصادية، حيث يعقب استعادة النشاط الاقتصادي تراجع آخر في معدلات النمو، وعندما يخرج الاقتصاد من حالة الكساد بانتهاء الدورة، فإن النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي يكون على شكل حرف W، ولذلك يطلق عليه التراجع المزدوج، أي الحالة التي تشمل تراجعا ثانيا في النشاط الاقتصادي بعد التعافي الأول للنشاط الاقتصادي، وبمعنى آخر، التراجع المزدوج هو كساد يعقبه فترة نمو مؤقت ثم استمرار حالة الكساد بعد ذلك حتى خروج الاقتصاد نهائيا من حالة الكساد. في تموز (يوليو) من العام الماضي كان العالم يتحدث عن بدء عملية الخروج من حالة الكساد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، وذلك بعد أن أخذ الاقتصاد الأمريكي في النمو مرة أخرى، بعد عام كامل من النمو الاقتصادي السالب. غير أن المؤشرات الأخيرة للنمو في الاقتصاد الأمريكي توحي بأن الاقتصاد لا يبدو على ما يرام، إذ تشير المراجعة الأولى لبيانات معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني من هذا العام، إلى تراجع معدل النمو عن المعدل المعلن في التقديرات الأولية، حيث قام مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي بتخفيض تقديراته لمعدل النمو إلى 1.6 في المائة، وقد كانت التقديرات الأولية لمعدل النمو التي تم إعلانها الشهر الماضي هي 2.4 في المائة، وهو معدل نمو ضئيل، مقارنة بمعدلات النمو خلال العام الماضي، وبشكل عام فإن معدلات النمو في الناتج المحلي الحقيقي تتجه نحو التراجع بشكل مستمر. يرجع الاقتصاديون تراجع مستويات النمو في الناتج إلى نفاد أثر برامج التحفيز الاقتصادي، سواء النقدي أو المالي التي تبنتها الولايات المتحدة، حيث لم تعد هناك اعتمادات كافية يمكن أن تحفز مستويات الإنفاق، ومن ثم معدلات النمو في المستقبل لتوليد العزم اللازم للخروج من الأزمة. وقد أصبح البحث عن اعتمادات إضافية لبرامج إضافية للتحفيز ضرورة حيوية بالنسبة لصانع السياسة الاقتصادية، ولا شك أن لبرامج التحفيز المالي مخاطر تتمثل في استمرار ارتفاع عجز الميزانية والدين العام، بينما تتمثل مخاطر التحفيز النقدي في نمو عرض النقود على النحو الذي قد يرفع من مخاطر التضخم. غير أن هذه المخاطر لا تقارن حاليا بمخاطر تراجع مستويات النشاط الاقتصادي ودخول الاقتصاد في مرحلة تراجع مزدوج تستمر معها معدلات البطالة في التصاعد على النحو الذي ينذر بمخاطر اقتصادية واجتماعية وسياسية عديدة. لعل أهم المشكلات الاقتصادية التي واجهها العالم في الكساد الحالي هي ارتفاع معدلات البطالة بسبب عدم قدرة اقتصاديات العالم على توفير عدد كاف من الوظائف الذي يؤمن استدامة النمو، فوفقا لصندوق النقد الدولي أدت الأزمة المالية العالمية إلى زيادة أعداد العاطلين في العالم إلى أكثر من 210 ملايين عامل، أي بزيادة نحو 30 مليون عامل منذ 2007، وقد ضربت البطالة بشكل أكبر الدول المتقدمة، حيث ظلت معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة جدا في العديد منها، مع عدم وجود أي إشارات نحو ميل هذه المعدلات نحو الانخفاض. من ناحية أخرى أدت الأزمة إلى التأثير في مستويات التوظف في قطاع التصدير في الدول الناشئة والنامية، وإن كان هناك بعض الإشارات إلى أن التوظف آخذ في التعافي في هذا القطاع في الدول الناشئة، خصوصا مع ميل المصدرين إلى تنويع أسواق التصدير للاعتماد بشكل أقل على الدول المتقدمة. وتؤدي البطالة إلى آثار اجتماعية طويلة الأجل، حيث تؤثر في دخول وحياة وأمن وكرامة هذه الملايين من البشر عبر جميع دول العالم. مع الأسف تؤدي الأزمة إلى تعقيد أوضاع سوق العمل على مستوى العالم، حيث يدخل نحو 45 مليون عامل جديد سنويا إلى سوق العمل في العالم، ومما لا شك فيه أن مهمة استيعاب هذه الأعداد، فضلا عن توفير وظائف لمن فقدوا وظائفهم، أصبحت تشكل تحديا رئيسا للعالم في ظل ظروف الأزمة. ذلك أن مواجهة تحديات البطالة ستقتضي ضرورة تسريع عمليات استعادة خلق الوظائف التي فقدت نتيجة الأزمة، سواء من خلال زيادة الدعم أو الإعانات، أو تحفيز مستويات الطلب الكلي اللازم لخلق المعدلات المناسبة من نمو الوظائف، وهي مهمة متعددة الجوانب، لكنها بالتأكيد مكلفة جدا من الناحية المالية. بعد سلسلة من التدهور في أوضاع سوق العمل الأمريكية، جاء التقرير الأخير عن التوظيف ليشير إلى خلق 67 ألف وظيفة فقط، خلال آب (أغسطس)، وهو أقل بكثير مما هو مطلوب للتأثير في معدل البطالة بالانخفاض من الناحية الحقيقية، في الوقت الذي تم فيه فقدان 54 ألف وظيفة خلال الشهر، وقد كان من المتوقع فقدان نحو 120 ألف وظيفة. بهذا الشكل يرتفع المعدل الرسمي للبطالة (U3 ويشمل إجمالي العاطلين عن العمل إلى قوة العمل) في آب (أغسطس) من 9.5 في المائة إلى 9.6 في المائة، وكذلك يرتفع المعدل الواسع للبطالة (U6) من 16.5 في المائة إلى 16.7 في المائة في الشهر نفسه. وحاليا يبلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة نحو 15 مليون عامل، منهم 6.2 مليون عامل في حالة بطالة طويلة الأمد (أكثر من 26 أسبوعا)، أي أن أكثر من 40 في المائة من العاطلين يقضون أكثر من ستة أشهر في البحث عن العمل، بينما يقضي نحو 21 في المائة منهم أكثر من سنة في حالة بطالة. أعداد العاطلين وفقا لمعدل البطالة طويل الأمد تتزايد أيضا في معظم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ 2007. ومن بين حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإن تأثير الكساد الحالي في معدلات البطالة هو الأقوى على الإطلاق. للأسف يعد معدل البطالة من المؤشرات الاقتصادية المتأخرة Lagging indicator، أي أنه إذا افترضنا بدء عملية استعادة النشاط اليوم، فإن هناك المزيد من الوقت الذي ستستمر خلاله معدلات البطالة مرتفعة قبل أن تتراجع مع استمرار معدلات النمو واكتمال الدورة، ومن ثم فإن الحكومة في الوقت الحالي ليس لديها خيار سوى أن تفعل شيئا لخلق المزيد من الوظائف، فمع معدل بطالة 9.6 في المائة، وبطء معدلات النمو في الأجور، يكون القطاع الخاص غير قادر على خلق القدر الكاف من الوظائف، ولهذا يتطلب الأمر المزيد من التدخل الحكومي. لقد ركزت جهود الحكومة الأمريكية لمكافحة الكساد في البداية على إصلاح النظام المالي، انطلاقا من الاعتقاد بأن ذلك كفيل بإصلاح أوضاع الاقتصاد ككل، كذلك ساعدت حزمة التحفيز على دفع النمو الاقتصادي من جوانب عدة، كما جلبت المزيد من الثقة بالاقتصاد. فقد ساعد قانون استعادة النشاط Recovery act، على رفع مستويات الطلب الكلي وتعويض بعض النقص في الإنفاق الخاص. غير أن برامج التحفيز التي تم تطبيقها لم تركز على إنفاق القطاع الخاص، وإنما ركزت الحكومة على دعم القطاع الخطأ في الاقتصاد، كما يرى البعض، مثل مبيعات السيارات، من خلال برنامج دعم مشتريات السيارات، ودعم مبيعات المساكن من خلال الضريبة على الائتمان لشراء المساكن، والبنوك من خلال برنامج إنقاذ البنوك، بينما لم يكن هناك تركيز على دعم قطاع الأعمال الخاص لتعزيز قدرة هذا القطاع على خلق الوظائف. ما زال القطاع الخاص في الاقتصاد الأمريكي غير قادر على تحقيق استدامة في معدلات النمو الموجب في الناتج المحلي الإجمالي، ولهذا تستمر الحاجة إلى برامج التحفيز. نمو قطاع الأعمال الخاص إذن هو مفتاح عملية الخروج من الأزمة، طالما أن النمو في القطاع العام مدفوع أساسا ببرامج التحفيز، وعندما يبدأ النمو الذاتي للقطاع الخاص ستبدأ بالفعل عملية الخروج الحر من الأزمة. التنبؤات الحالية للمؤشرات الاقتصادية السباقة Leading economic indicators، توحي أيضا باحتمال تدهور مستوى النشاط الاقتصادي الكلي، ربما في الصيف القادم، وأنه ربما يعاود الكساد الكرة مرة أخرى خلال عدة أشهر، ويعتقد معظم الاقتصاديين أن النمو في النصف الثاني من هذا العام سيكون ضعيفا جدا، أو ربما سيكون سالبا، ومما لا شك فيه أن السياسة الاقتصادية الكلية يمكن أن تؤثر بشكل كبير في مسارات النشاط الاقتصادي في المستقبل، ومن ثم احتمالات حدوث هذه التوقعات الركودية، وتساعد برامج التدخل الحكومي على تحفيز الطلب الكلي، وتحسين أوضاع المصارف، كما تحسن التوقعات وترفع من أسعار الأصول، ويبدو حتى الآن أنها فشلت في أن تساعد على استدامة استعادة النشاط الاقتصادي، ويرى البعض أن كل ما فعلته برامج التحفيز هو أنها استطاعت منع معدل البطالة من الارتفاع. غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن فشل سياسات التحفيز في الخروج من الكساد حتى الآن لا يعني أن هذه البرامج غير فاعلة، وربما يكون السؤال المهم هو ماذا كان يمكن أن يكون حال الاقتصاد إذا لم يتم تنفيذ برامج التحفيز هذه؟ يتزايد الحديث عن برنامج التحفيز المالي الثاني للاقتصاد الأمريكي بصورة واضحة اليوم، حيث تشير الشواهد الأولية إلى أن هذا البرنامج سيتضمن مزيجا من التخفيضات الضريبية على دخول العاملين، بهدف رفع مستويات الدخل المتاح للعمال لتحفيز الطلب، وكذلك رصد المزيد من الاعتمادات لمشروعات البنى التحتية، ومد العمل ببعض التخفيضات الضريبية، على أمل أن تؤدي حزمة التحفيز هذه إلى جعل الاقتصاد يواصل النمو. كذلك فإن هناك تأكيدا على ضرورة قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بمزيد من التيسير النقدي Quantitative easing، أي من خلال طبع مزيد من الدولارات بهدف تحفيز مستويات الطلب الكلي، ويبدو أن هناك اقتناعا بأن التحفيز الكمي قادم، ليضيف المزيد من السيولة إلى العرض المتزايد من الدولار الأمريكي، ولكن ماذا عن التضخم؟ من المؤكد أن التضخم يتراجع في أوقات ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم يتراجع بالفعل في الولايات المتحدة والعالم، وأن المخاوف الحالية ليست من التضخم، وإنما من أن يواجه الاقتصاد الأمريكي انكماشا على النمط الياباني. فهل يقدم الاحتياطي الفيدرالي على مزيد من التيسير الكمي لتخفيض معدلات الفائدة؟ أم هل يتم الاكتفاء بمنح تخفيضات ضريبية على الائتمان الممنوح لأغراض الاستثمار؟ من المؤكد أن سياسات الاحتياطي الفيدرالي هي إجراء مساعد، لكن التحفيز الأساسي لمستويات النشاط الاقتصادي ينبغي أن يأتي من خلال استخدام أدوات السياسة المالية. تجدر الإشارة إلى أن تدفقات البيانات حول ارتفاع أو تراجع النمو في الإنفاق هي تدفقات للبيانات في الأجل القصير، وربما تعكس أو لا تعكس اتجاه عملية النمو في الأجل الطويل. أي أنه على الرغم من ميل الإنفاق نحو التراجع بصورة أكبر مما كان متوقعا، إلا أن ذلك ربما يكون جانبا من عملية استعادة النشاط البطيء المتوقعة في الأجل الطويل لهذه الأزمة. فهل فعلا كان هناك مبالغة في التفاؤل باستعادة النشاط الاقتصادي في الأشهر الأولى له في العامل الماضي، عندما كانت البيانات المشجعة عن الخروج من الأزمة تتدفق عبر الاقتصادات المختلفة في العالم، أم أن هناك إفراطا في التشاؤم مع تدفقات البيانات التي بين يدينا حاليا، والتي تشير إلى احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي والعالمي في تراجع مزدوج؟ ما بين أيدينا من بيانات لا يمكننا من أن نحكم حكما قاطعا على ذلك، وتاريخ الأزمات الاقتصادية يؤكد أن مثل هذه التقلبات في النشاط الاقتصادي أثناء الأزمة ليس أمرا غريبا، أو غير اعتيادي، ففي معظم الأزمات السابقة كان سلوك الاقتصاد على هذا النحو. ولكن السؤال المهم الآن هو هل نحن مقبلون بالفعل على تراجع مزدوج؟ على الرغم من قوة الدلائل المتاحة التي تشير إلى أننا بالفعل نسير نحو تراجع مزدوج، إلا أنني ما زلت أعتقد أنه من السابق لأوانه الآن الحديث عن حدوث تراجع مزدوج بالفعل، ولذلك أفضل انتظار المزيد تدفقات البيانات عن المؤشرات الاقتصادية المختلفة، حتى يمكن الحكم بشكل نهائي عن دخول العالم في حالة تراجع مزدوج من عدمه، لكن الأمر المؤكد أن الأوضاع الاقتصادية في العالم تسير من سيئ إلى أسوأ.
إنشرها