الأزمة الآسيوية

|
تحدثنا في الحلقة السابقة عن أن الدول الآسيوية في فترة الثمانينيات كانت أكبر مستقطب لحركات الرساميل الدولية في التسعينيات من القرن الماضي، وأن جانبا كبيرا من هذه التدفقات كان في صورة قروض قصيرة الأجل، ما جعل النظام المالي في هذه الدول هشا وعرضة لأي صدمات يمكن أن تحدث نتيجة انعكاس اتجاه تدفقات الرساميل، خصوصا ما إذا كانت مستويات السيولة في النظام محدودة، وفي ظل سياسات لمعدل الصرف تعتمد على الربط. تمثلت المشكلة الأساسية في آسيا في أن معظم هذه التدفقات للرساميل الأموال كانت في صورة قروض للبنوك واستثمارات مباشرة، التي تميل بطبيعتها نحو التقلب بصورة واضحة مع أي تغير في محددات تدفق هذه الأموال. لقد أدت هذه التدفقات إلى ثلاثة آثار أساسية أسهمت في نشوب الأزمة، وهي أنها تسببت في رفع أسعار الأصول وتكون فقاعات سعرية, خصوصا في قطاع العقار، كما أدت إلى رفع قيمة العملات الآسيوية، ما ساعد على إضعاف تنافسية هذه الدول عالميا، كما أدت إلى إفراط البنوك في عمليات الإقراض مستفيدة من فروق معدلات الفائدة بين الداخل والخارج، ما أسهم في عجز الحساب الجاري لهذه الدول. بحلول عام 1997 كانت الأسواق قلقة حول أوضاع الدول الآسيوية، بصفة خاصة في كل من الفلبين وإندونيسيا، حيث تأثرت أسواق الصادرات بصورة واضحة نتيجة صدمة الصادرات في 1996. مع بداية العام كانت العملات الآسيوية كافة تحت الضغط تقريبا في الوقت الذي تزايدت فيه أسعار الأسهم بصورة كبيرة. غير أن الموقف تدهور بشكل سريع في تايلاند, حيث تصاعد القلق من أن القطاع المالي يمكن أن يتعرض لمخاطر الفقاعة السعرية في القطاع العقاري، وفي بداية أيار (مايو) تضاعفت الضغوط بصورة واضحة على البات التايلاندي, وهو ما دعا البنك المركزي للتدخل في سوقي الصرف الحاضر والآجل، قبل أن يقوم في 15 أيار (مايو) بفرض قيود على تحركات الرساميل، مع السماح لمعدل الفائدة بالارتفاع. غير أن هذه الإجراءات فشلت في أن تعيد الثقة بالعملة، ومن ثم تزايدت الضغوط بصورة أكبر على الاقتصادات الآسيوية في أيار (مايو) وحزيران (يونيو)، وفي مواجهة استمرار خروج الرساميل، قامت تايلاند في 2 تموز (يوليو) بإيقاف نظام ربط البات بالدولار، وسمحت بتعويمه، وهو ما أدى إلى انخفاضه مبدئيا بنسبة 10 في المائة، واستمر البات في التراجع في الأسابيع التالية مع تصاعد القلق حول الأوضاع الاقتصادية غير المؤكدة، وتأخير تبني حزم اقتصادية لدعم نظام الصرف الجديد والتعامل مع ضعف النظام المالي، وترتب على انخفاض البات تصاعد القلق حول جدوى نظم معدل الصرف في الدول المجاورة. عندما أعلن البنك المركزي التايلاندي أن احتياطياته أقل مما كان معلنا مسبقا، بدأ هجوم المضاربين على البات التايلندي في تموز (يوليو) 1997، وترتب على الهجوم انتقال العدوى إلى باقي دول شرق آسيا، وصاحب هذه الهجمات هجرة ضخمة للرساميل من هذه الدول، إلى الدرجة التي دفعت بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن سبب الأزمة ليس هجمات المضاربة، وإنما تدفقات الرساميل نحو الخارج. على سبيل المثال قدرت تحركات الرساميل من تايلاند إلى الخارج بنحو 26 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الأولى من الأزمة، وهو ما يتجاوز التحويلات القياسية التي تعرضت لها الأرجنتين في الثمانينيات, التي بلغت 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كانت أقسى الضغوط خارج تايلاند في الفلبين, حيث استمرت السلطات في تبني نظام الربط للبيزو في مقابل الدولار، وبعد أن قامت السلطات بمحاولة الدفاع عن النظام من خلال رفع معدلات الفائدة والتدخل في سوق النقد الأجنبي، سمحت للبيزو بالتعويم في 11 تموز (يوليو)، كما قامت لاحقا بفرض قيود على العقود الآجلة، في محاولة لوقف المضاربة على العملة. كذلك انتشرت الآثار بسرعة إلى ماليزيا, حيث لجأت الحكومة إلى تخفيض الرينجت بدلا من رفع معدل الفائدة، وكذلك إلى إندونيسيا، حيث تراجعت الروبية بصورة واضحة في نطاق حدود التدخل الرسمي للعملة، وقامت الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات للدفاع عن الروبية، غير أنها فشلت في أن تقضي على الضغوط المتصاعدة في سوق الصرف، ومن ثم سمحت السلطات للروبية بالتعويم في 14 آب (أغسطس)، وعندما بدأ تعويم الروبية كان البات قد فقد 18 في المائة من قيمته في مقابل الدولار، بينما فقدت باقي العملات الأربع الأخرى نحو 10 في المائة. عبر الشهرين التاليين ساءت الأوضاع بشكل أكبر, حيث عكست القلق حول آثار تخفيض العملة وارتفاع معدلات الفائدة على الشركات المدينة والمؤسسات المالية المقترضة، ومدى جدية تعهدات السلطات الآسيوية برسم السياسات اللازمة لضمان استقرار معدلات الصرف، وعلى مدى ثلاثة أشهر من تموز (يوليو) إلى تشرين الأول (أكتوبر) 1997، تراجع البات التايلاندي بنسبة 40 في المائة تقريبا, والروبية الإندونيسية بنسبة 40 في المائة، بينما انخفض الوون الكوري بنسبة 35 في المائة، والريجنت الماليزي والبيزو الفلبيني بنحو 27 في المائة بالنسبة للدولار الأمريكي، كما منيت أسواق الأسهم بخسائر كبيرة قبل أن تستقر في أيلول (سبتمبر). حاولت الدول الآسيوية في البداية الدفاع عن عملاتها، غير أنه كانت هناك ثلاثة عوامل تقف ضد جهود البنوك المركزية في تثبيت عملاتها، وهي استمرار تدفقات الرساميل إلى الخارج، وانخفاض مستويات الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنوك المركزية, التي يمكن أن تستخدمها للتدخل في الدفاع عن العملات المحلية، وانخفاض معدلات الفائدة المحلية. مع الأسف, مع ميل العملات نحو التراجع, يصبح رفع معدلات الفائدة إحدى الآليات التي تؤدي إلى نقل أزمة العملات إلى القطاع مصرفي، ففي بداية 1998 تم رفع معدلات الفائدة، ومن ثم أخذت معدلات التوقف عن خدمة الديون في التزايد, ونتيجة لذلك وجدت المؤسسات المالية الآسيوية نفسها على حافة التوقف عن سداد التزاماتها الخارجية قصيرة الأجل، ما وضع القطاع المصرفي على حافة الانهيار، وأخذت عمليات إفلاس وإغلاق البنوك تنتشر في الدول الآسيوية الخمس، ففي إندونيسيا أفلس 16 بنكا، وفي كوريا أغلق 14 من 30 بنكا تعمل في البلاد، وفي تايلاند وقعت المؤسسات المالية غير المصرفية في أزمة كبيرة. من ناحية أخرى, تعرضت الدول الآسيوية لتراجع حاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة الانخفاض الكبير في الإنفاق الاستهلاكي، بصفة خاصة الإنفاق الاستهلاكي العام، وفي الإنفاق الاستثماري الكلي. كذلك تعرض القطاع النقدي إلى تراجع حاد في عرض النقود وبلغت معدلات الفائدة 15 في المائة في المتوسط، وأخذت البنوك في الحد من عمليات إقراضها نتيجة ارتفاع مخاطر التوقف عن السداد، وبدأت تلك الدول في اتباع استراتيجيات انكماشية حادة، خصوصا مع تطبيق برامج الاستقرار التي رسمها صندوق النقد الدولي. مع تعمق الأزمة في الدول الآسيوية الخمس أخذ آثارها تنتشر إلى باقي الدول في آسيا فيما سمي العدوى المالية Financial contagion، التي عكست القلق حول الآثار السلبية للأزمة في النمو وتنافسية الصادرات وسلامة القطاع المالي في الدول الآسيوية. فقد تراجع الدولار السنغافوري والتايواني, وكذلك تعرض دولار هونج كونج لهجمات مضاربة. كذلك أدى ارتفاع معدلات الفائدة إلى تراجع أسعار الأسهم في هونج كونج وتايوان، وكذلك انخفضت أسعار الأسهم بحدة في الصين، ولم تقتصر العدوى المالية على دول الإقليم في آسيا، إنما انتقلت إلى خارج الإقليم, ففي أمريكا اللاتينية خضع الريال البرازيلي تحت ضغوط للانخفاض بشكل كبير نتيجة لتزايد الضغوط الناشئة عن أزمة آسيا، التي أسهمت في زيادة القلق حول مستويات التنافسية وميزان المدفوعات، وقامت الحكومة بعد ذلك بمضاعفة معدل الفائدة وأعلنت إجراءات مالية قوية ساعدت على تهدئة الأسواق. كما ارتفعت معدلات الفائدة أيضا في الأرجنتين وبدرجة أقل في المكسيك، حيث انخفض البيزو بنسبة 7 في المائة في مقابل الدولار. كذلك انعكست آثار الأزمة في سوق العملات في اليونان وروسيا وأوكرانيا والمجر، وبحلول تشرين الثاني (نوفمبر) أصبحت أسواق المال العالمية مضطربة بدرجة عالية, الأمر الذي أدى إلى التأثير بصورة سلبية في تدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة، حيث أصاب المستثمرين حالة قلق حول الأسواق الناشئة، كما قللت الدول النامية من عمليات إصدار السندات، نظرا لارتفاع تكلفة الاقتراض لهذه الدول، نتيجة ارتفاع معدلات العائد على تلك السندات. قبل وقوع الأزمة ارتكبت الدول الآسيوية عديدا من أخطاء السياسة، كان أولها الاستمرار في تثبيت معدلات صرف عملاتها بالنسبة للدولار، حيث رفضت أكثر من مرة تخفيض قيمة العملة خلال الفترة من 1994 إلى 1997، إذ يساعد تقويم العملة بأعلى من قيمتها في تخفيض تكاليف خدمة الديون الخارجية، كما كان ينظر إلى تخفيض العملة على أنه قد يشجع على هجمات المضاربة ويقلل من متوسط نصيب الفرد من الدخل (بالدولار). غير أن استمرار الاحتفاظ بربط العملة المحلية بالدولار أدى إلى تخفيض تنافسية الدول الآسيوية ومن ثم التأثير سلبا في معدل نمو الصادرات. من ناحية أخرى, عندما حدثت هجمات المضاربين حاولت الدول الآسيوية الدفاع عن عملاتها من خلال التدخل في سوق الصرف الأجنبي فكانت النتيجة أنها خسرت كميات ضخمة من احتياطياتها، ما قلل من سيولتها بالعملات الأجنبية، ومن ثم حدّ من قدرتها على خدمة ديونها الخارجية. كما شجعت الحكومات الآسيوية أيضا على نمو الأجور الحقيقية لعمالها بصورة أكبر من النمو في إنتاجية عنصر العمل، وقد كان الدافع وراء ذلك سياسيا، غير أن ذلك ترتب عليه قيام الشركات بأتمتة نظم الإنتاج, الأمر الذي أدى إلى زيادة الاستثمارات في هذا المجال، ومن ثم مزيد من الحاجة إلى الاقتراض من الخارج. كانت أخطاء السياسة هذه مكلفة بصورة واضحة للدول الآسيوية، وجاءت برامج صندوق النقد الدولي لتصب مزيدا من الوقود على النار المشتعلة في الاقتصادات الآسيوية. فقد نظر صندوق النقد الدولي لمشكلة آسيا على أنها مشكلة عدم توازن لميزان المدفوعات، ومن ثم اقترح (روشته) المعهودة في مثل هذه الحالات، التي طبقها بشكل مكثف في أزمات دول أمريكا اللاتينية، بينما كانت المشكلة الحقيقية للدول الآسيوية هي عدم قدرتها على سداد ديونها، أي أنها تواجه مشكلة سيولة بالدرجة الأولى. فقد واجهت الشركات الآسيوية مشكلة عدم القدرة على سداد ديونها بالنقد الأجنبي فلجأت إلى بيع أصولها، وهو ما يقلل من إيرادات بيع تلك الأصول لسببين: الأول تراجع أسعار هذه الأصول، والآخر تراجع القيمة الحقيقية لإيرادات المبيعات بفعل تراجع قيمة العملات المحلية الناجم عن زيادة الطلب على العملات الأجنبية في أسواق الصرف المحلية. تضمنت حزمة البرامج التي قدمها صندوق النقد الدولي للدول الآسيوية تطبيق سياسات على مستوى الاقتصاد الكلي تهدف أساسا إلى تخفيض العجز في الميزانية من خلال رفع مستويات الإيرادات العامة، بصفة خاصة من الضرائب، وخفض مستويات الإنفاق العام لتحويل العجز إلى فائض، وتقليل الطلب على الواردات، كما طلب من هذه الحكومات رفع معدلات الفائدة للدفاع عن عملاتها، والحد من النمو في عرض النقود للسيطرة على التضخم، وإعادة هيكلة القطاع المالي من خلال تقوية النظم والإجراءات الرقابية بواسطة السلطات النقدية، وسحب تراخيص عدد من المؤسسات المالية، بصفة خاصة البنوك، لترشيد هيكل المؤسسات المالية، وتحرير حساب رأس المال وتحرير التجارة في صورة تسريع الانفتاح المالي والتحرير الكلي لسوق النقود، والسماح بالاستثمار الأجنبي في المؤسسات المالية المحلية، والحد من القيود على الاستثمار الأجنبي، وإلغاء كل أشكال الدعم على المعاملات التجارية وتحرير الواردات، وإصلاح سوق العمل من خلال العمل على رفع درجة مرونته. على العكس مما سبق كان من الواجب على الصندوق أن ينصح هذه الدول بالتخلي عن نظم معدل الصرف التي تقلل من حرية نظام معدلات الصرف الأجنبي، وأن تتحول البنوك المركزية بصورة تدريجية نحو تحرير معدل الصرف، حتى لا توجد ضغوط في السوق، وأن يمد هذه الدول باحتياجاتها اللازمة من السيولة. لم يفهم الصندوق بشكل مناسب طبيعة المشكلة، وقام بالتعامل معها بأسلوبه التقليدي، بل لم يراع استخدام استراتيجيات مختلفة للتعامل مع حالة كل دولة على حدة، وبدلا من ذلك قام باستخدام استراتيجية واحدة للعلاج كانت تنصب على تضييق السياسات النقدية والمالية. أدى تطبيق البرامج المبدئية لصندوق النقد الدولي إلى تسريع عمليات خروج رأس المال بصورة أكثر، ولم تفلح في غرس الثقة بالأسواق، حيث كانت نتيجة تطبيق برامج الصندوق مخالفة تماما للتوقعات، فقد أدت السياسات الاقتصادية التقييدية إلى انخفاض في الطلب الكلي, حيث تراجع الاستهلاك نتيجة للآثار المعاكسة على الدخول والثروة، كما تراجع الإنفاق الاستثماري مع ارتفاع معدلات الفائدة، وبشكل عام أدت السياسات المالية والنقدية التقييدية إلى تعقيد الأمور بدخول الدول الآسيوية في مرحلة الكساد حاد، وتم انتقاد روشتة الصندوق بحدة في الحالة الآسيوية، حيث كانت الإجراءات التقشفية التي اقترحها غير مناسبة للحالة، حيث تم اقتراح العلاج الخطأ للمريض الخطأ، فحدث اضطراب اجتماعي وسياسي كبير في بعض الحالات مثل إندونيسيا، وارتفعت معدلات البطالة بصورة كبيرة بعد تطبيق إجراءات الصندوق، فتم وقف العمل ببرامج الصندوق في تايلاند وإندونيسيا وكوريا بعد عدة أشهر من التطبيق. على الرغم من أن عمق واتساع التراجع في النشاط الاقتصادي كان حادا، فإن استعادة النشاط الاقتصادي السريعة كانت مدهشة أيضا، فبحلول الربع الثاني من 1999، كان معدل النمو الحقيقي للناتج في الدول الآسيوية موجبا، وساعد على ذلك تحسن الأوضاع الدولية بارتفاع معدلات النمو في الناتج عالميا في 1999 و2000، وكان أكثر وأقوى هذه الأشكال من استعادة النشاط في كوريا الجنوبية، وباستثناء إندونيسيا, حيث تعقدت الأوضاع السياسية نتيجة الأزمة، استطاعت الدول الآسيوية باستخدام الروشتة الكينزية من خلال برامج التحفيز المالي وبتخفيض معدلات الفائدة بصورة كبيرة، في تحد لروشتة الصندوق، أن تستعيد نشاطها، والخروج بسرعة من الأزمة بأسرع من السيناريوهات كافة التي كانت متوقعة لها، بما في ذلك سيناريوهات صندوق النقد الدولي ذاته، الذي توقع أن تدخل الدول الآسيوية في حالة انحسار اقتصادي لمدى زمني يراوح بين ثلاث إلى أربع سنوات، يعود بعده الاقتصاد الآسيوي إلى النمو، وبالفعل كانت سرعة استعادة النشاط الاقتصادي في الأزمة الآسيوية مدهشة للمراقبين, ففي ثلاث دول عل الأقل هي: ماليزيا, كوريا, وتايلاند، وبعد تدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية والمالية حدثت استعادة سريعة للنشاط الاقتصادي على شكل حرف V. كان هناك عديد من الدروس المستفادة من الأزمة، أولها ضرورة تجنب أوجه الضعف في القطاع المالي التي يمكن أن تنشأ عن الإفراط في الاقتراض الخارجي قصير الأجل، وأن على الدول أن تكون حذرة من مثل هذا النوع من التمويل بصفة خاصة عندما يكون بالعملات الأجنبية حتى لا تقع في أزمة ديون سيادية يمكن أن تهدد استقرارها الاقتصادي. كان أحد أسباب الأزمة أيضا رغبة الدول الآسيوية في أن تنمو بسرعة وبأي تكلفة، غير أن الأزمة أثبتت أن النمو البطيء والآمن أفضل وأضمن من النمو السريع المحفوف بالمخاطر، الذي يمكن في حال تعقد الأمور أن تكون نتائجه كارثية، كذلك أثبتت الأزمة أن تنظيم عملية التحرر الاقتصادي يعد أمرا في غاية الأهمية، وإنه إذا ما لم يكن القطاع المصرفي قويا وقادرا على المنافسة عالميا، فإن البنوك المحلية يجب ألا يسمح لها بالاقتراض بكميات ضخمة بالشكل الذي يرفع من درجة تعرضها للمخاطر المصاحبة لتغيرات معدل الصرف. كما يجب أن يعمل النظام المصرفي دائما في ظل ظروف تنافسية، وسوق يمكن السيطرة عليها وتعمل بكفاءة. أكثر من ذلك أثبتت الأزمة ضرورة أن يتم تجنب الانحراف في تقييم العملة المحلية Misalignment عند تبني نظم الربط بالعملات الأجنبية. وأخيرا عكست الأزمة الآسيوية حقيقة مهمة, وهي أن النمو المعتمد على التدفقات الخارجية للرساميل، بصفة خاصة الرساميل قصيرة الأجل، يمكن أن يكون في غاية الخطورة، حتى لو استمرت الأوضاع على نحو جيد في الداخل، ذلك أن تحسن الأوضاع في الخارج يمكن أن يؤدي إلى تحركات هائلة للرساميل الساخنة خارج الاقتصاد للاستفادة من الأوضاع في الخارج، مؤديا بذلك إلى أزمة يمكن أن تكون طاحنة مثل الأزمة الآسيوية. طوت الدول الآسيوية أزمتها، وعادت بسرعة من جديد كنمور تكشر عن أنيابها للأسواق الدولية، وما زال أداؤها الاقتصادي جيدا، حتى في ظل الأزمة الحالية. في الحلقة القادمة، بمشيئة الله تعالى، نعود إلى اقتصاد الأزمات، أعني الولايات المتحدة، لنتحدث عن أزمة جديدة هي فقاعة الدوت كوم، كما يحلو للبعض أن يسميها. وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك أنتهز هذه الفرصة لتهنئة القراء الكرام، فكل عام والجميع بخير, أعاده الله عليكم وعلينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.
إنشرها