عالم لا يتعلم من أزماته .. فقاعة بحر الجنوب (3 من 12)

|
حدثت أزمة اليوم في بريطانيا في أوائل القرن الـ 18، وهي تمثل تجسيدا لما يمكن أن نسميه "السلوك غير الرشيد للمستثمرين"، الذين سمحوا للآخرين بأن يخدعوهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مناقشة ما يدور في أنفسهم من تساؤلات حول مدى صدق ما يتم الترويج له من شائعات، فقد كان كل هم المتعاملين في السوق هو الحصول على أوراق، أي أوراق، كي يضاربوا عليها. كان القرن الـ 18 بالنسبة للإمبراطورية البريطانية قرن الرفاهية والثروة، ما يعني أن كثيرا من الناس في هذا الوقت كان لديهم كثير من المدخرات، وكانوا يبحثون عن فرص كي يستثمروا فيها هذه الأموال، ولم تجد شركة بحر الجنوب South Sea Company، أفضل من هذه الظروف كي تنفخ إحدى أهم الفقاعات المالية في التاريخ، وكيف لا، وهي لم تواجه أي مشكلة في جذب هؤلاء المغفلين؟! تماشت هذه النظرة السائدة مع الإدارة المحنكة لشركة بحر الجنوب التي قامت بإنشاء أكثر المكاتب فخامة وتكلفة في بريطانيا، وعندما كان الناس يرون هذا المستوى الرفيع من الترف، كانوا لا يستطيعون أن يمنعوا أموالهم من الانجذاب نحو شركة بحر الجنوب، ولذلك تم تسويق الشركة بسهولة شديدة. هذا النجاح الباهر في تسويق الشركة، وكذلك النجاح الأبهر الذي حققه جون لو في فرنسا، رفعا مستوى الزهو البريطاني إلى عنان السماء، وساد الاعتقاد بين الجمهور بأن الشركات البريطانية لا يمكن أن تسقط. تم إنشاء شركة بحر الجنوب في عام 1711 بإيحاء من هربرت هارلي، إيرل أكسفورد، التي تتشابه أهداف إنشائها مع شركة المسيسبي التي تناولنا فقاعتها في الحلقة السابقة، وهي تحويل ديون الحكومة البريطانية الناتجة عن الحرب مع إسبانيا إلى أسهم في مقابل فائدة تدفعها الحكومة البريطانية، وكان الدين الحكومي البريطاني صعب التسويق في أوائل القرن الـ 18، وبعضه غير قابل للسداد، وعلى الرغم من أن العوائد على الدين الحكومي كانت مرتفعة، إلا أن السندات كانت تباع بخصم كبير. كانت أولى العمليات الجوهرية للشركة هي تحويل أكثر من مليون جنيه استرليني إلى أسهم، في مقابل مدفوعات فائدة من الحكومة، ونتيجة لذلك انخفضت مدفوعات الدين الحكومي بشكل كبير، وشهد حملة السندات السابقون أن القيمة السوقية للأوراق التي يحملونها ترتفع بشكل واضح، وحققت الشركة أرباحا كبيرة نتيجة لذلك. في المقابل منحت الشركة احتكارا على حقوق التجارة في بحر الجنوب، وكانت عبارة بحر الجنوب تطلق في هذا الوقت على المياه المحيطة بأمريكا الجنوبية. ومن المعلوم في ذلك الوقت أن العرش الإسباني كان يحتكر حق التجارة والنقل مع هذا المحيط الضخم، غير أنه كانت هناك آمال بأن تفضي المفاوضات بين الحكومتين البريطانية والإسبانية إلى منح بريطانيا حق الوصول إلى هذه المناطق، كالمكسيك وبيرو وباقي المناطق. كان النشاط التجاري للشركة محدودا للغاية، هذا إذا ما استثنينا بعض شحنات العبيد والمنسوجات التي أبحرت تحت علم الشركة، ومن الناحية الفعلية، كانت الشركة أكثر المتعاملين في الدين الحكومي, منها في مجال التجارة الخارجية، بل إن كثيرا من المؤشرات كانت تشير إلى أن إدارة أعمال الشركة كانت تتم على نحو سيئ، لدرجة أنها لم تحقق حتى مستوى التعادل في تغطية تكاليفها. كانت النظرة السائدة في هذا الوقت أن المكسيكيين الأمريكيين الجنوبيين ينتظرون فقط أن يقدمهم أحد للإمبراطورية البريطانية كي يتم تبادل خيوط الصوف والملابس الصوفية التي تصنعها بريطانيا في مقابل أكوام المجوهرات والذهب، ومرة أخرى لم يسأل أحد نفسه عن مدى معقولية هذا الاحتمال، بل لقد كان الانطباع السائد هو "شراء الأسهم المرتفعة الثمن بأقصى سرعة ممكنة وبمجرد أن تعرض للبيع". كانت فكرة المشروع شبه وهمية وكما هو الحال في كل الأزمات، لم يكن هناك وقت أو رغبة في التحقق من مدى صحة تلك الادعاءات. كانت ردة فعل الجمهور للفرص التي ستتيحها الشركة غير متوقعة، استنادا إلى التوقعات حول العوائد التي يمكن أن يتم تحقيقها من الشركة. في عام 1719 قامت الشركة مرة أخرى ببيع أسهم في مقابل ديون الحكومة، وبنهاية العام كانت الشركة تستحوذ على نحو 20 في المائة من الدين العام البريطاني، ترتب على نجاح الشركة إقبالها على خطط أكبر، حيث اقترحت الشركة أن تتولى استبدال باقي الدين العام، وفي المقابل منحت الشركة حق إصدار أسهم لتمويل عملية التحويل. وللمفارقة أن الشركة تنافست مع بنك أوف إنجلاند للحصول على الحق في عملية التحويل، لكن الرشا التي دفعتها الشركة أمنت الصفقة لمصلحتها، ويقال إن الشركة قامت بدفع رشا في صورة أسهم لشركة بحر الجنوب كهدايا مجانية للوزراء الأساسيين في مقابل منح عديد من مديري المشروع فرص الحضور في البرلمان لجعل المزايا المتوقعة من الشركة معلومة للجميع، كما تم دفع الرشا نفسها لـ 27 من أعضاء البرلمان وستة من أعضاء مجلس اللوردات، إضافة إلى عديد من الوزراء، ويقال إن الملك وأمير ويلز تلقيا رشا أيضا. كذلك تم الكشف لاحقا أن مديري المشروع كانوا في منتهى الكرم في منح أنفسهم أسهما للشركة. في بداية نيسان (أبريل) 1720 وافق البرلمان والملك على أن تتولى شركة بحر الجنوب عملية التحويل، وهو ما أدى إلى تضاعف سعر سهم الشركة، وبما أن معامل التحويل بين سندات الدين الحكومي وأسهم الشركة لم يكن محددا، فإن الشركة كان يمكنها أن تحول مزيدا من الدين العام بقيم أرخص في ظل تزايد أسعار سهم الشركة، وطرحت الشركة أربعة إصدارات بأسعار أعلى في كل مرة، كما قامت الشركة بعقد بعض القروض في مقابل أسهمها متسببة بذلك في خفض المعروض من هذه الأسهم وزيادة الطلب عليها، وبدأ مديرو الشركة في الترويج للشائعات بأن أسهم الشركة مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، لأن الأسواق لم تأخذ في الاعتبار الحقوق الحصرية للشركة للتجارة مع العالم الجديد، وأن التجارة مع العالم الجديد توفر الأمان لحملة الأسهم، وأخذت أسعار الأسهم ترتفع بشكل متتال من 128 جنيها في كانون الثاني (يناير) إلى 330 جنيها في آذار (مارس)، ثم إلى 550 جنيها في أيار (مايو) و890 في حزيران (يونيو) ونحو ألف جنيه في تموز (يوليو) من العام نفسه. لم يحدث في تاريخ بريطانيا أن تحول الناس إلى أثرياء بهذه السرعة، ولم يقتصر الأمر بالطبع على بحر الجنوب، فقد تمت محاولات لإنشاء شركات مثيلة أو مبتكرة للمشاركة في أرباح الرواج الذي أحدثته الشركة في سوق المال. كان المستثمرون البريطانيون في حاجة ملحة إلى استثمار أموالهم، وكانت شركة بحر الجنوب وأمثالها ناجحة فقط في إعطاء الجمهور ما يرغب فيه بالفعل، مزيد من الورق كي يضاربوا عليه. لقد أدى الطلب المتزايد على الاستثمار إلى عرض الاكتتابات من كل حدب وصوب، ولأفكار شركات لا يمكن أن تخطر على قلب بشر، وفتح المجال على مصراعيه أمام مدمري ثروات المضاربين، لدرجة تجعل الفرد يشك فيما إذا كان ما ينشر عن أفكار هذه الشركات حقيقية، فمثلا عرضت اكتتابات لشركات لاستعادة ضوء الشمس من الخضراوات، وشركات لبناء قصور عائمة لتوسيع مساحة الأراضي البريطانية، كما تم الإعلان عن اكتتابات لشركات للتأمين على الخيول، ولتحسين صناعة الحساء، ولشركات في فن صناعة الصابون، والتجارة في الشعر، ولتحويل الفضة إلى معدن ثمين، وشركات لإعادة إصلاح أو بناء شخصية الأفراد، وشركات لتحفيز الناس على رعاية الأطفال غير الشرعيين، وهكذا في إسهال غير مسبوق للشركات المعروضة للمستثمرين في سوق المال، ومع ذلك بيعت هذه الاكتتابات في جنون ليس له نظير. ألم أقل لكم إن الناس كانوا في أمس الحاجة إلى أوراق، حتى إن كانت بلا قيمة، كي يضاربوا عليها. ارتكبت إدارة الشركة خطأ قاتلا في نهاية هذا الجنون، حيث أخذت إدارة الشركة أول خطوة نحو الوراء، حينما أدركت الإدارة أن قيمة ممتلكاتها الشخصية من أسهم الشركة لا يمكن أن تعكس القيمة الحقيقية للشركة أو إيراداتها المثيرة للشفقة، فبدأ أعضاء إدارة الشركة في بيع أسهمهم سرا في صيف 1720، آملين ألا يشيع الخبر بين الناس، لكن، مثل كل الأخبار السيئة، انتشر خبر قيام إدارة الشركة ببيع محتفظاتهم الشخصية من الأسهم بسرعة البرق، وانتشر الذعر بين حملة الأسهم، وبدأت حملة البيع المذعورة لأوراق ليس لها قيمة حقيقية، وفي آب (أغسطس) 1720 انتهت الحفلة، وأدرك المستثمرون أن المستعمرات الإسبانية التي تمتلك الشركة الحق الحصري في الاتجار معها تقع تحت سيطرة الإسبان، وأن حق الاحتكار الذي تمتلكه الشركة حق صوري، وأن عمليات الشركة في مجال التجارة محدودة للغاية، وأن الشركة لا تحقق إيرادات، وأن الموضوع بالكامل كان عملية نصب محكمة، ومن ثم بدأت الفقاعة في الانفجار المدوي، وكما هو الحال في كل الأزمات ما إن يبدأ الانهيار فإنه يصبح من المستحيل إيقافه أو عكس اتجاه الكارثة. كانت الشركة قد أنشأت شركة The Sword Blade كي تكون الذراع المالية لها، غير أن الشركة أصبحت مفلسة في أيلول (سبتمبر)، وأخذ سعر سهم الشركة في التراجع بالسرعة نفسها التي صعد بها، لدرجة أنه في كانون الأول (ديسمبر) انخفض سعر السهم إلى 124 جنيها، مع سطوع حقيقة أن نهاية شركة بحر الجنوب باتت على الأبواب، أي إلى نحو سبع أقصى قيمة وصل إليها، ومع تصاعد المطالبات بالتعويض تم اكتشاف أكبر فضيحة مالية في بريطانيا. كشفت الفقاعة عن ثلاثة أركان أساسية أسهمت فيها هي: الأول هو الوهم اللازم لبدء الفقاعة، فقد كان جميع الأطراف مشتركين في نفخ الفقاعة، بما فيها الحكومة، وإدارة الشركة، والمضاربين الذين توهموا أن الاستثمارات المبدئية التي يقومون بها هي مجرد عملية إعادة تمويل للدين العام، بصفة خاصة توهم المستثمرون أن شركة بحر الجنوب تتصرف كما لو كانت بنكا، حيث قامت بالاستثمار في سندات الديون العامة، وأن هذه السندات ستدفع معدلات للفائدة لسنوات طويلة مقبلة، كما أن الشائعات التي روجت لها إدارة الشركة أدت إلى تراكم الزخم اللازم لبدء الفقاعة، وبمجرد أن قام البرلمان بإعطاء الحق الحصري في التجارة لشركة بحر الجنوب أخذت الأسعار في الارتفاع الجنوني. الثاني وهو بقعة المستثمرين العمياء، ذلك أن القراءة المتأنية لوقائع الأزمة تجعل الفرد يصاب بالدهشة من هذا القدر من البلاهة المثير للدهشة، كيف أهمل المستثمرون في الشركة حقيقة أن الشركة لا تحقق أي إيرادات من نشاطها التجاري؟ وأنه ليس هناك أي مبرر لأن ترتفع أسعار أسهم الشركة إلى هذا المستوى الجنوني؟ الثالث وهو التواطؤ الحكومي، وهو ما أدى إلى تعميق المشكلة، ذلك أنه مع إنشاء شركة بحر الجنوب استطاعت الحكومة أن تتخلص من نحو خمس دينها العام، ومن ثم لم يكن أي أحد في الحكومة يرغب في أن يستفسر عن مدى فاعلية الحل الذي تقدمه شركة بحر الجنوب لتحويل الدين الحكومي، المهم أن تتخلص الحكومة من أعباء الدين بأي ثمن. أدى انفجار الفقاعة إلى أن خسرت بريطانيا كل مدخرات الأشخاص المقيمين فيها تقريبا، وأصبحت حوادث الانتحار روتينا شبه يومي، وطالب الجمهور الذي خسر مدخراته، سعيا وراء الثروة، بالثأر ممن تسببوا في الكارثة. الآن جاء دور البحث عن كبش الفداء، الذي كان على نطاق واسع هذه المرة، حيث تم إجراء تحقيقات من قبل البرلمان، الذي لعب دورا في الكارثة، وتم عزل وزير الخزانة John Aislabie من مركزه وسجن، كما تم فصل عديد من أعضاء البرلمان وصودرت أموال المديرين التنفيذيين للشركة الذين شاركوا في الإنشاء والترويج للشركة، لتعويض الخسائر، على الأقل بشكل جزئي، التي لحقت بمن اشتروا الأسهم، ومنهم من سجن أو انتحر أو هرب خارج القارة، ومن الحالات المشهورة، تناول مدير مكتب البريد العام السم، بينما تجنب ابنه، الذي كان وزير دولة، الكارثة عندما مات بالجدري، وبالطبع تم إلقاء اللوم على هؤلاء جميعا، غير أن المغفلين الحقيقيين هم المستثمرون الذين سمحوا لهؤلاء بأن يخدعوهم في ظل رغبتهم الشديدة في الإثراء السريع، لدرجة حولت هؤلاء المضاربين إلى مجموعة من البلهاء ذوي التفكير السطحي لدرجة لا يمكن تصديقها. كانت من المفترض أن يترتب على انفجار هذه الفقاعة حدوث انهيار اقتصادي تام في بريطانيا بدءا بانهيار البنوك، غير أن هذا الانهيار تم تجنبه نتيجة الوضع الاقتصادي المتين للإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت، ووقوف الحكومة البريطانية وراء البنوك لمساعدتها على ضمان استقرار الصناعة المصرفية، كما قامت الحكومة البريطانية بحظر عمليات إصدار شهادات الأسهم بالقانون، الذي ظل ساريا لأكثر من 100 عام بعد ذلك. أشهر ما قيل في انهيار الفقاعة هو ما تردد على لسان العالم إسحاق نيوتن الذي قال مقولته المشهورة بعد أن خسر ثروة تقدر بنحو 20 ألف جنيه "يمكنني أن أقيس حركة الأجسام الكونية، لكن لا يمكنني أن أقيس الجنون البشري"، وصدق إسحاق نيوتن، كيف يمكن قياس مثل هذا الجنون؟ انتهت القصة، لكنها ستتكرر بكل حذافيرها لاحقا، بعد أكثر من 250 عاما في دولة عربية هي الكويت، فيما عرف في ذلك الوقت بأزمة سوق المناخ، حيث وجد فرسان المناخ ضالتهم المنشودة في شغف الجمهور بشراء وتداول الأوراق المالية، أي أوراق، المهم أن يكون مكتوبا عليها اسم شركة، حتى لو كانت هذه الشركة وهمية أو مجهولة الهوية، إنه بالفعل عالم لا يتعلم من أزماته، وتلك قصة أزمة أخرى سأتناولها لاحقا في ترتيبها الزمني، إذا أحيانا الله.
إنشرها