ضرورة اقتصادية وطنية وإنقاذ للهوية واللغة العربية وجسر لحوار الحضارات

|
تواجه اللغة العربية في عقر دارها دول المشرق العربي, خاصة السعودية ودول الخليج العربية, تحدياً جديداً لم يسبق أن واجهته في تاريخها الطويل، كما تواجه التحدي نفسه في دول المغرب العربي, خاصة الجزائر وموريتانيا والمغرب. إن اللغة العربية تخوض معركة بقاء أو إقصاء ثم فناء كما تتنبأ لها ''يونسكو''. التحدي الجديد الذي تواجهه اللغة العربية اليوم هو إقصاؤها بأيدي أبنائها وليس بأيدي جهات خارجية معادية لها كما كان يجري في الماضي. إن ما يجري للغة العربية من إقصاء يجري بأيد عربية في دول عربية تتمتع بكامل السيادة والاستقلال. لقد عقدت مئات المؤتمرات والندوات حول التعريب في العالم العربي وصدرت مئات القرارات والتوصيات من مستويات القمة ومن مستويات وزراء التعليم العالي والإعلام والصحة ومديري الجامعات ومنظمات الجامعة العربية. لقد أحبطت جميع تلك القرارات ونفذ نقيضها تماماً في الدول العربية, في مخالفة واضحة لدساتير جميع الدول العربية ومواثيق جامعتها العربية. لقد تحقق إقصاء اللغة العربية عن لغة التدريس الجامعي في المجالات العلمية والطبية والهندسية, وعن لغة المال والأعمال بسبب نفوذ وتأثير ثلاث نخب عربية هي النخب السياسية والنخب الأكاديمية والنخب الاقتصادية. لقد كان ولا يزال لكل نخبة دورها ووسائلها في إنجاز مهمة إقصاء اللغة العربية. لقد أجمعت النخب السياسية في كل الدول العربية باستثناء سورية على السكوت المريب على ما يجري تحت سمعهم وبصرهم من امتهان للغة العربية على جميع صعد الاستعمال اللغوي اليومي في التعليم بمراحله المختلفة ولغة المال والأعمال والإعلام وغيرها. ولم تلزم النخب السياسية بتعريب التعليم والاقتصاد أو تلتزم بسيادة اللغة الرسمية للدول العربية حسبما تنص عليه دساتيرها ولم تلتزم وتنفذ قرارات وزرائها ومندوبيها في مؤتمرات التعريب المتكررة. كذلك لم تنشئ الدول العربية منفردة أو مجتمعة أية سلطة حكومية تقوم بالتخطيط اللغوي لتنفيذ السياسة اللغوية الواردة في دساتير هذه الدول ومواثيق جامعتها العربية ولم تسن تلك الدول نظاما لحماية اللغة العربية. إن المسؤولية الأولى والأكبر فيما وقع على اللغة العربية من ضيم وإقصاء يقع على النخب السياسية العربية في الدرجة الأولى لوجود السلطة بيدها دون غيرها. أما النخب الأكاديمية العربية فدورها في إقصاء اللغة العربية مشهود ومعروف ومخز. لقد استسهلت هذه النخب الأكاديمية التدريس الجامعي في التخصصات العلمية والطبية والهندسية باللغة الإنجليزية. وأوهمت تلك النخب الأكاديمية النخب السياسية بأن التدريس باللغة العربية سيخفض المستوى العلمي للطالب الجامعي, والغريب أن هذه الكذبة الكبرى انطلت على النخب السياسية على مدى الـ 80 عاماً الماضية, لقد أحجمت النخب الأكاديمية العربية عن تأليف الكتاب العلمي باللغة العربية أو ترجمته إليها وبذلك أصبحت ندرة الكتاب العلمي ذريعة قوية لاستمرار النخب الأكاديمية في التدريس باللغة الإنجليزية في جامعات المشرق العربي. إن الضرر على اللغة العربية والهوية العربية والتنمية العربية يتعمق بمرور الزمن بسبب إقصاء النخب الأكاديمية اللغة العربية عن التعليم العالي العلمي والطبي والهندسي ومما يزيد الأمر سوءاً أن اللغة الإنجليزية زحفت من الجامعة إلى الروضة واستفحل التسرب في التعليم العالي، كما استفحلت هجرة العقول بعد غربتها اللغوية. ومما ينذر بالخطر تولد القناعة لدى الآباء والأبناء أن لغتهم العربية ''ما توكل عيش'' ولا تستحق أن يتعلموها. أما النخب الاقتصادية العربية فلقد لعبت دوراً مدمراً للغة العربية في عقر دارها ولا تعترف تلك النخب باللغة العربية في الميدان الاقتصادي ولغة المال والأعمال. وبحكم وجود أكثر الفرص الوظيفية في قطاع المال والأعمال فقد أصبح شرط إتقان اللغة الإنجليزية وسيلة لسد سبل رزق المواطن العربي في بلاده. وأصبح المبرر نفسه (إتقان اللغة الإنجليزية) وسيلة لاستقدام مزيد من العمالة الوافدة التي فرضت وكرّست بكثرتها سيادة اللغة الإنجليزية في مجال المال والأعمال. إن الحلقة الأخطر في دور النخب الاقتصادية، إضافة إلى رهن لقمة عيش المواطن باللغة الإنجليزية هي التحالف الذي انعقد بين النخب الاقتصادية والنخب الأكاديمية، حيث ترسل النخب الاقتصادية إشارات وتغذية راجعة إلى قطاع التعليم بأن سوق العمل لا يدخله إلا من يتقن اللغة الإنجليزية وعلى الجامعات والتعليم عموماً إن يستسلم لهذا المطلب ويستمر في التدريس باللغة الإنجليزية حتى في مراحل التعليم العام. لقد أصبحت مطالب النخب الاقتصادية مستجابة لدى النخب الأكاديمية في ظل سكوت ورضى من النخب السياسية. لقد نجح رجال الأعمال في ارتداد الجامعات الخليجية للتدريس باللغة الإنجليزية في تخصصات كانت سابقاً تدرس في تلك الجامعات باللغة العربية. إن حاضر اللغة العربية ومستقبلها في ظل ما تفعله تلك النخب الثلاث لا يسر ويبعث على القلق. وإذا أضيف ما نراه من واقع سلوك تلك النخب إلى موجة العولمة اللغوية العارمة التي تقف وراءها دول المركز فإن اجتثاث اللغة العربية سيحدث قبل التاريخ الذي تنبأت به ''يونسكو'', وما لم يبادر الغيورون على اللغة العربية وعلى العروبة إلى إيقاف نفوذ نخب العرب وإيقاف تيار العولمة اللغوية ستتحول اللغة العربية إلى لغة للتدين والشعر وستندثر خلال فترة وجيزة كما تتنبأ لها ''يونسكو'' ويتمنى لها أعداؤها. لقد ثبت بالبرهان القاطع أن غياب الجهة الحكومية التي تخطط لتنفيذ السياسات اللغوية في جميع الدول العربية وغياب نظام لحماية اللغة العربية سببا ما يجري الآن للغة العربية من اغتيال على أيدي أبنائها العرب. إن قيام هيئة الترجمة والتعريب يحتاج إلى مبادرة عاجلة لإنقاذ اللغة العربية من الاندثار وإنقاذ الهوية العربية من الذوبان, وهي إضافة إلى ذلك ستلبي ضرورة اقتصادية تعليمية وتنموية وطنية. إن تعليمنا العالي في أمس الحاجة إلى التعريب ليتمكن من أداء دوره الريادي في التحول إلى اقتصاد المعرفة ويتمكن من تحقيق التميز البحثي والتميز التعليمي ويوقف الهدر والتسرب لأغلى ثروة نملكها. إن الدعوة لإيجاد هيئة للتعريب والترجمة تكررت على مدى عقود سواء في المملكة أو على مستوى دول الخليج العربية أو على المستوى القومي من خلال جامعة الدول العربية. لقد تأخر إنشاء مثل هذه الهيئة كثيراً وسبب تأخير إنشائها آثاراً مدمرة على اللغة العربية وعلى التنمية في العالم العربي وتراجعاً مقلقاً للهوية العربية في عدد من الدول العربية. وإضافة إلى دور هذه الهيئة الوطني فإن لها دوراً قومياً لا يقل أهمية عن دورها الوطني. لقد كانت الدول العربية من خلال دعوات الجامعة العربية تتطلع إلى قيام مثل هذه الهيئة منذ عقود لتمارس دور التخطيط ومتابعة تنفيذ ما يصدر من مجامع اللغة العربية من قرارات وتوصيات كانت تضيع في الأدراج المظلمة في دهاليز جامعاتنا العربية ومؤسساتنا الإعلامية والثقافية. كما سيكون لهذه الهيئة دور ريادي في تنظيم الترجمة لتسهيل تعارف الحضارات ثم حوار الحضارات فيما بعد. إن أداة التعارف والحوار بين الشعوب والدول والحضارات هي الترجمة. لقد قام عديد من أقسام اللغات الأجنبية والترجمة في جامعات الدول العربية وكان مبرر قيامها خدمة الترجمة لتعريف الشعوب الأخرى بالثقافة العربية والإسلامية ومعرفة ثقافات تلك الشعوب إلا أن تلك الأقسام والكليات انحرفت عن مسارها واقتصر الإقبال على تخصصي اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية وتوقفت أقسام اللغات الأخرى. لقد أصبح خريجو أقسام اللغة الإنجليزية والترجمة واللغة الفرنسية والترجمة محركاً للعولمة اللغوية الإنجليزية والفرنسية بدلا من أن يكونوا محركا لتعريف الشعوب الأخرى بالثقافة العربية الإسلامية وترجمة ثقافات وعلوم الشعوب الأخرى لإثراء علوم وثقافة العرب. إن قيام مثل هذه الهيئة سيحقق دور الترجمة كأداة للحوار بين الشعوب وهي الدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين لخير البشرية جمعاء. إن حب الملك عبد الله الخير لوطنه بتبنيه التحول إلى اقتصاد المعرفة واستثماراته الهائلة في التعليم والتعليم العالي وبرامج الابتعاث لمختلف دول العالم وحبه للعرب والعروبة ورؤيته الإنسانية العالمية المبادرة إلى الحوار بين الشعوب المحبة للتعايش السلمي والسلام تجعل من الملك عبد الله خير من يرتاد إقامة هذه الهيئة, ومبادرته تجعله أولى وأحق من تتشرف الهيئة بحمل اسمه. إن مثل هذه الهيئة ودورها الاقتصادي التنموي الوطني والقومي ودورها في نصرة اللغة العربية عندما خذلتها النخب العربية في عقر دارها ودور تلك الهيئة الإنساني والحضاري, كله يحتاج إلى عزيمة خادم الحرمين الشريفين عندما يعجز الآخرون عن تحقيق مثل هذا الهدف السامي والتاريخي. إن تحقيق قرار تعريب العلوم والتقنية في بلادنا الحبيبة وفي دول الخليج العربية سيكون مجداً يسجله التاريخ لخادم الحرمين كما سجل للمأمون تأسيسه ورعايته لدار الحكمة. وسيكون هذا المجد إضافة تاريخية إلى الأمجاد التي سجلها التاريخ لمقام خادم الحرمين على الصعد: الوطني والقومي والإنساني.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها