توطين لغة المال والأعمال مفتاح الحفاظ على الهوية واللغة العربية

|
أود الحديث اليوم عن أمر مهم هو التنقية اللغوية وحماية الهوية: فمن المعروف أن من تنازل عن لغته فقد هويته كفرد. أما كمجتمع فإن وحدة اللغة تعني وحدة الفكر والثقافة وقوة ووحدة الوطن. وتتصدع وحدة الوطن والفكر والثقافة عندما تتعدد اللغات والأعراق والديانات وينتهي الأمر إلى حروب وصراعات أهلية وعرقية تفضي لا محالة إلى تفكك الأوطان . وتحدث هذه الظواهر بشكل أسرع وأعنف عندما تغيب الديمقراطية الحقيقية في بلد ما. والتنقية اللغوية تنطلق من سياسة لغوية لحماية اللغة من الكلمات الدخيلة ومن تأثير اللغات الأخرى حماية للهوية الوطنية من التفكك. ومن أوائل الدول التي مارست هذا التطبيق فرنسا حيث أصدرت نظاما لحماية اللغة الفرنسية من المفردات والمصطلحات الدخيلة, حيث يقوم مجمع اللغة الفرنسية بتطبيق ذلك النظام والإلزام به وتوليد المفردات والمصطلحات الفرنسية لتواكب تطور المعرفة واشتقاق مفردات فرنسية لما يستجد من كلمات . وقامت تركيا بتطبيق مماثل لحماية الهوية التركية الطورانية من تأثير اللغة والثقافة العربية والفارسية. فقد اتخذ أتاتورك قرار التتريك في مواجهة التعريب وأقام جهازا لاستبعاد المفردات العربية والفارسية من اللغة التركية وإمعانا في قطع الصلة بين اللغة العربية والأتراك واللغة التركية أمر أتاتورك بتغيير حروف اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية. ويعتبر استخدام اللغة العربية الفصحى في وسائل الإعلام والتعليم ولغة الأعمال الحكومية والأهلية في جميع أوجه الاستعمال اللغوي تطبيقا للتنقية اللغوية في العالم العربي. ولتحقيق ذلك قامت مجامع اللغة العربية وبنوك المصطلحات والاتحادات العلمية والمهنية بتوفير المصطلحات والمفردات العربية للكلمات الجديدة من لغات أخرى ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح. إن إنجاز العرب في التنقية اللغوية يتدهور بشكل مريع . إن ما تعرضت له اللغة العربية من مكائد استعمارية وما تتعرض له حاليا من اجتياح عولمي لغوي أفضى إلى انسلاخ بعض الدول العربية من لغتها وهويتها العربية. إن ما جرى في موريتانيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية والمغرب والجزائر وأجزاء من السودان والعراق بعد الاحتلال ومجاهرة بعض قادة العرب بالتنكر للعرب والهوية العربية كلها معالم لانتكاسة الهوية العربية واللغة العربية. إن جهود التنقية اللغوية في معظم الدول العربية أصبحت بلا جدوى في ظل تعرض اللغة العربية للاجتثاث في هذه الدول. توطين لغة الإدارة الحكومية ولغة المال والأعمال اللغة رمز من رموز هوية الدولة ورمز من رموز سيادتها الذي لا يصح أن يتنازل عنه أي مسؤول في الدولة في جميع محادثاته وزياراته وخطبه في الداخل والخارج. وتحمل جميع الدساتير في جميع الدول مادة تنص على اللغة الرسمية للدولة. وتلتزم الدول بصياغة أنظمتها ومعاهداتها واتفاقياتها بلغاتها الرسمية وأن تنطق وسائل إعلامها بلغتها الرسمية. أما سجل العرب في هذا التطبيق والتخطيط اللغوي فيبعث على الارتباك والحيرة والشفقة. لقد ناضلت دول المغرب العربي ودفعت ملايين الشهداء لطرد المستعمر الفرنسي ولغته إلا أن اللغة الفرنسية ما لبثت أن عادت لتصبح لغة للإدارة الحكومية ولغة للمال والأعمال وأخيرا لغة للصحافة والإعلام والتعليم. إن عودة اللغة الفرنسية لهذه المجالات في دول المغرب العربي خاصة المغرب والجزائر وموريتانيا بالمخالفة لدساتيرها وهوية شعوبها وبالتنكر لنضال شهدائها لأمر يدعو للاستغراب والحيرة مما يحدث للغة العربية على أيدي أبنائها العرب من النخب السياسية والاقتصادية والأكاديمية الذين يملكون القرار في هذه المجالات. أما نحن أهل المشرق العربي وخاصة أهل المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية فكنا نسمع ونقرأ عما حل بدول المغرب من تسلط الفرنسيين في وقت الاستعمار على لغة الإدارة والمال والأعمال والتعليم ثم معارك التعريب التي عادت من جديد بين دعاة الفرنسة من النخب المتفرنسة من أبناء المغرب العربي ودعاة التعريب فابتلينا بما ابتلوا به وظهرت في دول المشرق خاصة المملكة ودول الخليج العربية نخب سياسية وأكاديمية واقتصادية متأمركة تجاهلت دساتير بلادها وميثاق الجامعة العربية وقرارات وزرائها في مؤتمرات التعريب وواجبها تجاه سيادة اللغة العربية في دولهم وواجبهم المقدس في حماية لغة دينهم ورمز هويتهم. لقد حولت النخب الاقتصادية من رجال المال والأعمال دول الخليج العربية بما فيها المملكة إلى دول غير ناطقة باللغة العربية في لغة المال والأعمال والأسواق. لقد فتحت وزارات العمل في هذه الدول لرجال المال والأعمال باب الاستقدام والإقامة المفتوحين لعمالة لا تنطق باللغة العربية فأفرزت هذه السياسة العمالية كتلا بشرية هائلة بلغت 85 في المائة من سكان الإمارات العربية وما يقارب 50 في المائة من سكان كل من دولة الكويت وقطر ومملكة البحرين و30 في المائة من سكان المملكة و26 في المائة من سكان سلطنة عمان. ولقد حولت هذه الكتلة البشرية الهائلة لغة المال والأعمال والأسواق في هذه الدول إلى اللغة الإنجليزية. لقد أصبح المواطن في هذه الدول محاصرا حصارا لغويا في بلاده فلا يستطيع الحصول على وظيفة أو يعالج في مستشفى أو يسكن فندقا أو يشتري من أسواق بلاده أو يتعلم في جامعات بلاده إلا إذا كان يعرف اللغة الإنجليزية. إن حجم هذه العمالة في بعض الدول يشكل خطرا سياسيا ينطلق من الخطر اللغوي خصوصا بعد صدور توجهات في أروقة الأمم المتحدة لمساندة حقوق العمالة المهاجرة في التوطين في أماكن عملها. فلو طالبت هذه العمالة في حقها في المواطنة وحقها في استعمال لغة الأغلبية في دول الخليج لسُلخت بعض هذه الدول عن الدول العربية وعن لغتها العربية. إن الأمم المتحدة تصر على أنها عمالة مهاجرة وتصر المملكة ودول الخليج العربية على أنها عمالة وافدة ومؤقتة. ولكن المؤكد أن اللغة العربية ضاعت بسبب وجود هذه العمالة وتغلغلها حيث يوجد ثلاثون ألف مليونير هندي في الإمارات وحدها وبعضهم مستثمرون لا تستطيع هذه الدول إخراجهم. إحلال اللغة القومية محل اللغات الأجنبية في التعليم اختارت هذا التطبيق من التخطيط اللغوي الدول التي حرصت على تيسير تعليم العلوم والتقنية باللغة الأم لأبنائها وحرصت على توطين العلوم والتقنية بلغة شعوبها. أما سجل إنجازات الدول العربية في هذا التخطيط اللغوي فمخجل ما عدا سوريا والعراق قبل احتلاله. بل إن سجل إنجازهم في إحلال اللغة العربية محل اللغات الأجنبية في التعليم يشهد تراجعا مستمرا لصالح اللغة الفرنسية في كل من المغرب والجزائر وموريتانيا. أما في دول المشرق العربي ومصر فقد اجتاحت اللغة الإنجليزية الجامعات وأقصيت اللغة العربية عن لغة التدريس الجامعي العلمي والطبي والهندسي وعن لغة البحث والنشر العلمي في هذه المجالات ومنذ عقود. ولقد زاد من وتيرة هذا الاجتياح اللغوي طوفان العولمة اللغوية الذي سهل افتتاح فروع جامعات أمريكية وبريطانية تدرس باللغة الإنجليزية في دول الخليج العربية. ولقد ركبت موجة العولمة اللغوية ذاتها جامعات سعودية وخليجية كثيرة فاتخذت اللغة الإنجليزية لغة للتدريس فيها وترى أن ذلك عنصر جذب للطلاب إليها. بل إن أقساما للعلوم الإنسانية والاجتماعية كانت تدرس باللغة العربية ثم ارتدت عن ذلك وأخذت تدرس باللغة الإنجليزية مستغلة هذه الموجة. ينص الإعلان العالمي لحقوق السكان الأصليين لعام 1988م و تنص توصيات اليونسكو لعام 1953م على وجوب تمتع السكان الأصليين بحق تطوير وتشجيع لغتهم واستعمالها للأغراض التعليمية والثقافية لأعلى مرحلة تعليمية ممكنة. والسؤال الذي يتعامى عنه الساسة العرب وتعرفه النخب الأكاديمية والاقتصادية العربية هو : لماذا سادت طيلة العقود الماضية هذه الكذبة الكبرى بأن التقدم العلمي والتقني لدى العرب لن يتحقق إلا من خلال التعليم باللغة الإنجليزية في المشرق العربي والفرنسية في المغرب العربي؟ والسؤال الذي يوجه للساسة العرب والنخب الأكاديمية والاقتصادية هو لماذا تقدمت الصين، روسيا، اليابان، ألمانيا، كوريا، السويد، إسرائيل، هولندا، الدنمارك، اليونان، التشيك، بولندا، هنغاريا و يوغسلافيا وهي تدرس العلوم والتقنية بلغاتها الأم وليس اللغة الإنجليزية أو الفرنسية ؟ إن جميع هذه الدول تقدمت علميا وتقنيا ونمت اقتصاديا بشكل أسرع وأكفأ من أية دولة عربية. إن جميع الدول التي حرصت على التنمية المستدامة واحترمت حقوق شعوبها ويسرت لهم العلوم والتقنية بلغتهم الأم استفادت واستفادت شعوبها رخاء ونموا مطردا. أما الدول العربية التي ينطق بلغتها العربية 338 مليون عربي وتقوم بها 395 جامعة فلم يصل فيها إلى آخر ذيل تصنيف شنغهاي للجامعات إلا جامعة واحدة فقط.
إنشرها