السياسة اللغوية في المملكة وغياب التخطيط اللغوي لتنفيذها

|
لم تصدر في السعودية سياسة لغوية محددة وشاملة وملزمة حتى الآن. ولقد جاء ما يمكن اعتباره سياسة لغوية على شكل بنود قليلة ضمن أنظمة أخرى أو قرارات لمجلس الوزراء ومجلس القوى العاملة صدرت في أوقات مختلفة ومتباعدة. لقد نصت المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم الصادر عام 1412هـ على أن ''المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولغتها هي اللغة العربية ... وعاصمتها مدينة الرياض''. وورد في المادة الحادية عشرة من نظام مجلس التعليم العالي والجامعات الصادر عام 1414هـ ما نصه ''اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعات ويجوز عند الاقتضاء التدريس بلغة أخرى بقرار من مجلس الجامعة المختص'', كما وردت ضمن سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية الصادرة بقرار مجلس الوزراء الموقر رقم 779 في 16-17/9/1389هـ خمسة بنود تتعلق بسياسة اللغة هي المادة الـ 24 وتنص على أن ''الأصل هو أن اللغة العربية هي لغة التعليم في كافة مواده وجميع مراحله إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى''، والمادة الـ 46 وتنص على ''تنمية القدرة اللغوية بشتى الوسائل التي تغذي اللغة العربية، وتساعد على تذوقها وإدراك نواحي الجمال فيها أسلوبا وفكرة''، والمادة الـ 50 وتنص على ''تزويد الطلاب بلغة أخرى من اللغات الحية على الأقل، بجانب لغتهم الأصلية، للتزود من العلوم والمعارف والفنون والابتكارات النافعة، والعمل على نقل علومنا ومعارفنا إلى المجتمعات الأخرى وإسهاما في نشر الإسلام وخدمة الإنسانية''، والمادة 114 وتنص على ''ترجمة العلوم وفنون المعرفة النافعة إلى لغة القرآن وتنمية ثروة اللغة العربية من ''المصطلحات'' بما يسد حاجة التعريب ويجعل المعرفة في متناول أكبر عدد ممكن من المواطنين'' ، والمادة 140 نصت على ''تنشأ دائرة للترجمة تتابع الأبحاث العلمية في المواد كافة، وتقوم بترجمتها لتحقيق تعريب التعليم العالي''. كما وردت في سياسة الإعلام الصادرة عام 1982هـ مواد تدعو إلى صيانة اللغة العربية والعناية بسلامتها في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة. وفيما يتصل بلغة المال والأعمال وسوق العمل صدر قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 266 وتاريخ 21/2/1398هـ وينص على الحفاظ على اللغة العربية في سوق العمل, كما صدر قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 133 وتاريخ 7/8/1420هـ المتوج بالمرسوم الملكي الكريم رقم م/15 وتاريخ 12/8/1420هـ والمتعلق بالأسماء التجارية في المملكة. كما صدر قرار مجلس القوى العاملة رقم 2/م 16/ 1404هـ وتضمن 11 بندا تلزم باستخدام اللغة العربية في المستشفيات والبنوك والفنادق والمطارات والعقود والإعلانات وأسماء البضائع وأوصافها, وتلزم باستخدام المصطلحات التي تصدر من مجامع اللغة العربية, وألزم القرار وزارات الداخلية والتجارة والشؤون البلدية والقروية والجمارك متابعة تنفيذ بنود ذلك القرار. إن المملكة تعد المحافظة على اللغة العربية أحد أهم مقومات المحافظة على هويتها الدينية والثقافية ولكن غياب نظام محدد وشامل وملزم, وغياب جهة متخصصة للتخطيط اللغوي ومتابعة تنفيذ سياسة المملكة اللغوية, أدى إلى تعثر تنفيذ تلك السياسة وفتح الباب واسعا لمؤسسات التعليم العالي والجهات الإعلامية وسوق العمل والمال والأعمال للتملص من تنفيذ ما يخص السياسة اللغوية في بنود الأنظمة التي صدرت. إن المعمول به في التعليم العالي العلمي وإدارة الأعمال وقطاع الأعمال يناقض ما صدر من بنود في السياسة اللغوية مناقضة تامة ويحل اللغة الإنجليزية محل اللغة العربية التي أقصيت عن تلك المجالات الحيوية بالمخالفة الصريحة للسياسة اللغوية للمملكة والنظام الأساسي للحكم. ومن المفارقات العجيبة في لغة التدريس في تعليمنا العالي أن الاستثناء بجواز التدريس بلغة غير العربية عند الضرورة أصبح القاعدة وانقلب التدريس في معظم التخصصات باللغة الإنجليزية حاليا, بل أصبح من يدعو إلى تعريب التدريس الجامعي مستغربا ومستنكرا في عقر دار اللغة العربية. وسأتناول في مقال قادم ـ إن شاء الله ـ أبرز تطبيقات التخطيط اللغوي المعاصرة ورصد الجهود المتعثرة والمبعثرة التي حاولت تنفيذ جوانب من بنود السياسة اللغوية للمملكة وما انتهت إليه تلك المحاولات. وأبرز تطبيقات التخطيط اللغوي التي سأتناولها لاحقاً هي: التنقية اللغوية، ترقية اللغة، إحياء اللغة الميتة، إحلال اللغة القومية محل اللغات الأجنبية في التعليم، الدفاع عن منزلة لغة ما، نشر اللغة الوطنية أو القومية في دول العالم، تعليم اللغات الأجنبية في بيئة اللغة الوطنية أو القومية، تنظيم الترجمة من اللغة الوطنية أو القومية إلى اللغات الأخرى وبالعكس ، تحديد العلاقة بين اللغة الوطنية أو القومية وبين اللغة أو اللغات المحلية المستعملة داخل الوطن الواحد، وتوحيد المصطلحات العلمية والتقنية والحضارية والإلزام باستعمالها في بيئة اللغة الوطنية أو القومية.
إنشرها